هؤلاء مصطفى أسعد بن أحمد بن محمد الدمياطي اللقيمى الذي وإن حمل بالتالي لقب المقدسي إلا أنه ولد بدمياط عام 1105 ه - 1693 . وقد أدى فريضة الحج منذ شبابه الأول في صحبة والده ثم تلقى تعليمه بمكة والمدينة والقاهرة ودمشق والمقدس ولكنه عاش معظم حياته بالقاهرة ، ثم بدمشق 4 وهناك توفى في عام 1173 ه - 1759 5 أو عام 1178 ه - 1765 . 6 وينعكس اهتمامه بالقدس في النمطين اللذين راجا في ذلك العصر ، أعنى « الفضائل » و « الرحلة » ، فأول مصنفاته وهو « لطايف أنس الخليل في تحايف القدس والخليل » مصنف كبير يقع في ثمانية أبواب مع مقدمة وخاتمة 7 . وهو يعالج في البداية الكلام على حدود فلسطين ومدنها الكبرى ثم ينتقل إلى الكلام في البابين الأولين على « أسماء البيت المقدس وشرفه » ويذكر أسماء ولاته ومن عاش فيه من الشخصيات البارزة . وبعد وصف المسجد الأقصى يرد الكلام على المدينة نفسها وآثارها الأخرى ، ثم على الخليل والمواضع الواقعة حول القدس .
ووفقا للتقليد المعروف لنا جيدا فإن الأنبياء والصحابة وغيرهم من الشخصيات التاريخية المشهورة التي دفنت هناك يشغلون جانبا بارزا من اهتمامه ؛ وتلعب الأساطير في هذا الصدد دورا مرموقا فالفصل الثامن مثلا مكرس بأجمعه للكلام على الخضر عليه السلام . وتبحث الخاتمة في « ذكر الشام وفضلها وبهجتها وشرف محلها » ، وهو يتبع في هذا نفس الطريقة القديمة في وصف الأماكن المقدسة بفلسطين ويحس خلال العرض بأجمعه اهتمام المؤلف الكبير بالجانب الأدبي ، فهو كان شاعرا ومن أصحاب « المقامات » ؛ وقد حاز هذا الفن الأخير تقديرا عاليا بين معاصريه 8 .
هذا وقد ترك لنا الدمياطي وصفا لرحلته من دمياط إلى القدس في مصنف خاص يحمل عنوان « موانح الأنس برحلتى لوادى القدس » 9 ؛ استغرقت الرحلة نفسها ستة أشهر من عام 1149 ه - 1731 ولكن وصفه لها لم يدونه إلا بعد عشرين عاما من ذلك التاريخ في عام 1164 ه - 1751 معتمدا في أغلب الظن على مذكرات سابقة . ويجهد المؤلف في وصف ما رآه - - من غريب في طريقه ومن التقى بهم من العلماء وأهل التصوف ويسوق خلال ذلك مقدارا كبيرا من الأشعار له ولغيره . ولتكوين فكرة عن عقليته ومشربه يذكر أنه إلى جانب وصف الرحلة يوجد ما يشبه أن يكون ذيلا لها ، هو عبارة عن قصة ليست بالطويلة تدور حول زيارته لقبر نبي أسطورى يدعى أبلوقيا انتشرت القصص حوله حتى تردد صداها في « ألف ليلة وليلة » ؛ وهذه القصة أيضا تحفل بدورها بالأشعار التي قيلت في بطل الرحلة .
ولسنا في حاجة بالطبع إلى أن نستدرك مرة أخرى بقولنا إن المصنفات من هذا الضرب ليست بذات أهمية بالنسبة للجغرافيا بقدر ما هي مهمة بالنسبة لتصوير الوسط والعصر اللذين ظهرت فيهما .
أما فيما يتعلق بتصوير ذلك الوسط حقا فإن مصنفات بعض المؤلفين السوريين التي ظهرت في تلك الآونة تتمتع بأهمية قصوى ، إذ نجد بينهم عددا من الشخصيات ذات الصلة الوثيقة بالأدب بوجه عام كما نلتقى أيضا برحالة زار تلك الأقطار ويمكن اعتباره أكبر رحالة لذلك العصر حركة ونشاطا وإنتاجا .
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 755
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٧٥٥