تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 739

مساهمون:

ص٧٣٩
اختيارها منذ وقت طويل . وفي الواقع فهو يذكر في مقدمة كتابه أنه قد جمعها وهو لا يزال بأرض الوطن 226 ولكنه تركها وراءه بالمغرب باستثناء قسم ضئيل منها 227 ؛ وفضلا عن هذا فهو يشير أكثر من مرة من خلال العرض إلى أسماء مصنفات معروفة كانت تحت تصرفه بالمغرب ولكنه لم بعثر عليها اطلاقا - - بالمشرق 228 فمثلا نراه يذكر بصدد الذخيرة لابن بسام ما نصه : « فإن الذخيرة غريبة في البلاد المشرقية وقد كان عندي بالمغرب من هذا النوع ما أستعين به فخلفته هنالك واللّه يلم الشمل » 229 . وعند اختتامه لأحد أبواب كتابه يضيف : « الوافدون من المشرق على الأندلس كثيرون جدا إلا أن عدم المادة التي أستعين بها في هذه البلاد تبين عذرى ولو اجتمعت على كتبي المخلفة بالمغرب لأتيت في ذلك وغيره بما يشفى ويكفى . . . » 230 . وأمثال هذه الكتب كثير ، ولعل هذا كان هو العامل الأساسي الذي جعله يتردد في البداية حول إمكان تحقيق هذا العمل الذي دفعه إليه أصدقاؤه . وقد كان الأمد الوجيز الذي استغرقه تأليف الكتاب هو السبب أيضا للأسف في أن هذا المصنف الذي وضع أساسا اعتمادا على الذاكرة وغلب عليه طابع العجلة يعكس بوضوح آثار هذا سواء في الترتيب العام للكتاب أو في تفاصيله . فهو يحفل بعدد غير قليل من الأخطاء كما يحفل بحالات عديدة للتكرار والسقط التي اعترف المؤلف نفسه أحيانا بوجودها ، غير أن جميع هذه المناقص يرجح بها من الجهة الأخرى غنى الكتاب بمادته التي لا يعاد له فيها أي مصدر من المصادر الموجودة بين أيدينا للتعريف بأسبانيا العربية . وينقسم الكتاب في مجموعه إلى قسمين ويسود الانتظام توزيع مادته في الداخل وفقا للتبويب الذي وضعه المؤلف ، ولو أنه يلاحظ أن المادة لا تسير وفقا لذلك في العناوين المتأخرة . وكل من القسمين الأول والثاني يحتوى على ثمانية أبواب 231 ، وتسبقهما مقدمة طويلة 232 يعرض فيها المقرى لتفاصيل من سيرة حياته ولجميع تاريخ تصنيف الكتاب . أما بالنسبة للأنماط الجغرافية فهو ينضم إلى النماذج المعروفة لنا جيدا لنمط الرحلة « العلمية » ، ولكن إذا أجاز هذا التعبير فهو إنما يمثل أنموذجا لتدهور ذلك النمط . وتكاد معطياته الواقعية تقتصر على إيراد التواريخ التي يبدأ فيها تنقلاته من موضع بلى آخر أو يحدد وصونه إليه ، وهي في العادة تتميز بالدقة رغما من جنوحها إلى الاقتضاب ؛ بل إن أسماء العلماء المحليين ممن يرد ذكرهم عادة في الرحلات من هذا الطراز لا وجود لها لدى المقرى باستثناء أصدقاثه الدمشقيين الذين يتحدث عنهم بالتفصيل ويسوق نقولا من رسائلهم النثرية والشعرية . وبخلاف هذا فإن المقدمة كلها تمثل على وجه التقريب مجموعة من الأشعار في تصوير حالته النفسية أثناء الرحلة ، مثال ذلك وصفه لحالة الهلع الذي استولى عليه من ركوب البحر وهو موضوع نلتقى به لدى جميع الرحالة بالتقريب . والمقرى يربط بين هذه المنتخيات الشعرية بجمل قصيرة مسجوعة ، أما اختياره للقطع الشعرية فكثيرا ما يغلب عليه طابع الصدفة كما أن العرض العام للكتاب يسوده الإطالة والإسهاب الشديدان ؛ ولا يخلو من طرافة - - في هذا الصدد أن المؤلف يستشعر في نفسه هذا العيب ولكنه يعجز عن توجيه تيار المادة