الأول من عام 1029 ه - فبراير 1620 قام برحلة قصيرة إلى بيت المقدس ولكنه رجع بالتالي إلى القاهرة ؛ وقد حج إلى عام 1037 ه - 1627 خمس مرات زار خلالها المدينة سبع مرات وألقى دروسا في الحديث بها أكثر من مرة . وبعد رجوعه إلى القاهرة في صفر من عام 1037 ه - أكتوبر 1627 بدأ يدرّس بالأزهر ، وفي رجب من نفس العام - مارس 1628 زار القدس ولكنه لم يمض بها أكثر من خمسة وعشرين يوما ؛ وفي شعبان ( أبريل ) زار دمشق لأول مرة وقد اجتذبه إليها دعوة من معارف جدد له فقد التقى أثناء الحج بمفتى سوريا العالم العمادي ( توفى عام عام 1051 ه - 1641 ) 205 الذي تولى لعدد من السنين أمارة الحاج الدمشقي فدعاه لزيارة دمشق 206 التي كانت تعتبر نفسها في ذلك الوقت مركزا ثقافيا لا يقل قدرا عن القاهرة . وبدمشق التقى المقرى بشخص حمل له إعجابا شديدا هو أحمد بن شاهين القبرصى ( توفى عام 1053 ه - 1643 ) ، وهو معلم وأديب من أهل البلاد 207 . وبفضل علاقته به تيسرت له الإقامة بدمشق واستطاع أن يدرس الحديث بالمدرسة الجقمقية ؛ ومرة أخرى اضطلع المقرى بتدريس صحيح البخاري وختم ذلك في هذه المرة خلال أربعين يوما وذلك في السابع عشر من رمضان من عام 1037 ه - 21 مايو 1628 وسط جو من الحماس والاحتفال الشعبي . وقد وجد من بين تلامذته شخصيات نابهة يذكر معجم السير للمحبى عن أحدهم وهو يحى بن أبي الصفا المحاسنى توفى ( عام 1053 ه - 1643 ) أنه « كان يصحبه كظله » ؛ وقد استمع هذا الشخص لجميع ما قاله المقرى ودون بالتالي ما أملاه عليهم الشيخ 208 . وغادر المقرى دمشق في الخامس من شوال عام 1037 ه - التاسع من يونيو 1628 وأقام بالقاهرة حوالي ثلاث سنوات إلى شعبان من عام 1040 ه - مارس 1631 حينما غادرها في زيارة ثانية لدمشق لم تطل أكثر من الأولى . هذا وقد سرته كثيرا دمشق كما سره أهلوها - - ؛ ويبدو أنه قد نال هناك لأول مرة في حياته التقدير والاعتراف الكامل بمكانته العلمية ، وينعكس هذا في الأشعار والمكاتبات التي تبادلها مع صديقيه الدمشقيين العمادي 209 وأحمد بن شاهين 210 والتي ترد شذرات منها في مؤلفه وفي مختلف المجموعات الأدبية . وقد ألف ابن شاهين معجما خاصا للسير يتعلق بإقامته بدمشق وينعكس فيه صدى هذه التيارات الأدبية ، وهو محفوظ في مخطوطة موجودة بمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية 211 . وقد عنّت للمقرى الفكرة بأن ينتقل للإقامة نهائيا بدمشق فرجع إلى القاهرة وبدأ في تصفية أعماله بها ولكن الموت اختطفه في مرض فجائى في جمادى الثانية من عام 1041 ه - يناير 1632 ولم يتجاوز الأربعين إلّا بقليل .
ويعود الفضل بلا شك إلى الدمشقيين في تشجيع المقرى على إخراج أكبر آثاره الأدبية ، وهو نفسه يقول إنه في محادثاته مع أصدقائه وخاصة مع أحمد بن شاهين 212 كان كثيرا ما يتذاكر الأندلس 213 ؛ ويبدو أنه أثار في نفس هذا الأخير تقديرا وإعجابا كبيرين لشخصية وزيرها لسان الدين بن الخطيب ونبوغه فألح عليه بأن يصنف في ذلك سفرا خاصا 214 . وقد امتنع المقرى - - طويلا عن الاستجابة لهذه
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 737
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٧٣٧