وكما أبصرنا فإن المقدمة والبابين الأول والرابع من القسم الأول يمكن ضمهما دون أي اعتراض إلى أنماط جغرافية محددة ؛ وبنفس القدر يمكن القول بأن البابين الخامس والسادس يمثلان مقتطفات منقولة عن عدد كبير - - من الرحلات . ومما لا شك فيه أن هذه الاعتبارات الشكلية لا تكفى في حد ذاتها لإدخال « نفح الطيب » في عرض عام للأدب الجغرافي بل يجب أن نأخذ في حسابنا إلى جانب هذا الأهمية الكبرى للمادة التي يحويها بين دفتيه بالنسبة للجغرافيا في أوسع مفاهيمها . وكل النقص المحيط بهذا الكتاب إنما مرده في واقع الأمر كما يقول ديغا
Dugat
في تحليله العام له إلى أنه يمثل « مفازة لا يوجد بها دليل » 236 خلال أكثر من ألفين من الصفحات ، غير أنه يجب ألا ننكر من ناحية أخرى أنه يعرض أمام أنظارنا جميع أسبانيا المسلمة من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر وذلك في ميادين التاريخ والأدب والعلم والفن والاجتماع . فهو بهذا إنما يمثل لوحة هائلة لا تخلو من نصيب معين من الحيوية والوضوح نلتقى فيها بالآدميين وبالمدن والآثار والحوادث والرحلات والمعارك ومناظر من مختلف الأنواع مما لا يوجد مثيل له في جميع الأدب العربي .
ولا مشاحة في أن المقرى يفتقر افتقارا تاما للأصالة ، غير أنه ما لم يتم الكشف عن جميع المصادر التي استقى منها مادته ، وهو أمر بعيد الحدوث ، فسيظل محتفظا على الدوام بأهميته وقيمته . والمقرى باعتباره أحد ممثلى الأسلوب « المتكلف » يكشف عن فقر كبير سواء في ذوقه الأدبي أو في مهارته ككاتب ، وذلك عند مقارنته بشخص كالعتبى مثلا بل وحتى بابن عربشاه ؛ ورغما من هذا فإن حماسه الفطري للأدب الفنى وحبه الشديد للأندلس ليس من شأنه أن يترك القارئ دون أن يمس شغاف قلبه ويحرك من عواطفه ؛ ولهذا السبب فإن مصنفه يمثل قبسا من الضوء في فترة معتمة من تطور الأدب الجغرافي في القرن السابع عشر .