الأدبية الجارف ويقتصر على ملاحظات يحس منها عجزه وسذاجته ، مثال ذلك قوله : « وكأني بعاتب يقول ما هذا التطويل » 233 ؛ أو « وربما يقول من يقف على سرد هذه الأمداح النبوية إلى متى وهذا الميدان تكل فيه فرسان البديهة والروية » 234 ؛ أو « وقد امتد بنا الكلام وربما يجعله اللاحى ذريعة لزيادة اللام فلنرجع إلى ما كنا بصدده » 235 .
غير أن جميع هذه المآخذ التي اعترف هو نفسه بوجودها لم تمنعه من إعادة الكرة ، فلدى أقرب فرصة تتكرر لديه نفس اللوحة دونما أي تغيير حتى في الأقسام الداخلية من الكتاب . والباب الأول من القسم الأول ( الجزء الأول ، الصفحات من 80 إلى 140 ) مكرس في أساسه لجغرافيا الأندلس وآثارها ومدنها ، الكبرى أولا ثم تتلوها تلك التي تعتبر من الدرجة الثانية . وهذا الباب ينتمى وفقا لمصادره وصياغته إلى طراز الفضائل المعروف لنا ولكنه عرضة لنفس تلك المآخذ التي ذكرناها بصدد المقدمة ؛ وهو يمثل في جوهره خليطا من النقول تربط بينها ألفاظ المؤلف ولو أنه يلاحظ ها هنا أن المادة حافلة للغاية ومتنوعة وتدعو إلى الثقة ، وهذا يفسر أهميتها الكبرى من أجل دراسة المسائل التي تعالج الكلام عنها ، ويبحث الباب الثاني ( الجزء الأول ، الصفحات 140 - 210 ) في فتح العرب للأندلس وحكم الأمراء ، أما الثالث ( الجزء الأول ، الصفحات 211 - 296 ) فيعالج الكلام على ازدهار الأندلس في عهد الخلفاء وملوك الطوائف ثم إخضاع المرابطين والموحدين لها وعن الملاذ الأخير للعرب بغرناطة في عهد بنى نصر .
ويقدم الباب الرابع ( الجزء الأول ، الصفحات 297 - 462 ) وصفا مفصلا لقرطبة خاصة في عهدي ازدهارها ( تحت حكم الأمويين إلى عام 1013 ، وقبل استيلاء القشتاليين عليها في عام 1236 ) ؛ ويظفر بنصيب الأسد في هذا الوصف كلامه عن جامعها المشهور وقصر الزهراء وغير ذلك من الآثار ؛ وهو يذكرنا بالنمط الجغرافي المعروف لنا أعنى نمط « الفضائل » . والباب الخامس الذي يحتل المكانة الثانية في جميع الكتاب من حيث الحجم ( الجزء الأول ، الصفحات 463 . . . 943 ) يقدم لنا أكبر كمية من المادة التاريخية الأدبية فقد أفرده المؤلف لذكر من رحل من الأندلسيين إلى المشرق ، وهو يورد فيه سر ثلاثمائة وأربعة لمثل هؤلاء الرحالة ولا يخلو كلامه أحيانا من معطيات مفصلة للغاية ونقول كبيرة الحجم ؛ وفي هذا الصدد تقابلنا لديه استطرادات خاصة في مدح دمشق . وهذه السير تختلف اختلافا كبيرا في أحجامها فتتراوح بين بضعة أسطر وعشرات الصفحات ، وأكبرها هي التي كرسها للكلام عن ابن العربي المتصوف ( الجزء الأول ، الصفحات 567 - 583 ، رقم 113 ) ، وأبى حيان النحوي ( الجزء الأول ، الصفحات 829 - 862 ، رقم 214 ) ، وعلى الأخص للرحالتين ابن سعيد ( الجزء الأول الصفحات 634 - 707 ، رقم 166 ) وابن جبير ( الجزء الأول ، الصفحات 714 - 797 رقم 178 ) . وتفيض القطعة التي أفردها لابن سعيد بمقتطفات من ديوانه ومن كتابه « المغرب » حيث يرد وصفه الطريف للقاهرة . ومن بين الصفحات الثمانين التي أفردها للكلام عن ابن جبير لا يشغل
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 740
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٧٤٠