تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 738

مساهمون:

ص٧٣٨
الرغبة لعلل مختلفة ولكنه لم يلبث أن أذعن بعد ذلك 215 ، ويبدو أنه لم يكن بوسعه مقاومة ميوله الشخصية . ولما رجع المقرى إلى القاهرة ظل ابن شاهين يذكره في خطاباته وقصائده بالوعد الذي قطعه على نفسه فبدأ المقرى العمل في المصنف وفرغ منه في أقل من عام وذلك بتاريخ 27 رمضان من عام 1308 ه - 21 مايو 1629 ، وأغلب الظن أنه أتم المسودة الأولى فقط دون أن ينقحها 216 . وفي شكلها هذا كانت مكرسة لابن الخطيب وحده ومن ثم فقد حملت لهذا السبب عنوان « عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب » 217 ، وتوجد نسخة من هذه المسودة القصيرة بمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية 218 . غير أنه منذ بداية العمل في الكتاب عنت للمقرى فكرة ضرورة استكمال هذه الدراسة بمعالجة الكلام على تاريخ الأندلس وأدبها عامة مؤرخا للعهد المبكر - - والعهد المتأخر 219 ؛ وهكذا نشأ بالتدريج خلال تحضيره للمسودة الثانية من الكتاب قسم جديد مستقل ذو طابع عام احتل المكانة الأولى من مصنفه وشغل بالتقريب ثلثي الكتاب كله . وفي هذه الصورة النهائية أتم المؤلف مصنفه في اليوم الأخير من عام 1039 ه - التاسع من آغسطس 1630 220 وأعطاه عنوانا يجمع بين الموضوعين هو « نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب » 221 . والقسم الأول منه مفرد للكلام عن الأندلس عامة ، ويوجد في طبعة أوروبية قديمة قام بتحضيرها دوزى
Dozy
وديغا
Dugat
وكريل
Krehl
ورايت
Wright
( 1855 . . 1861 ) وجمعت إلى هذا ملاحظات قيمة لفليشر
Pleischer
في نقد المتن 222 ؛ أما الكتاب فقد ظهر في طبعة كاملة غير علمية بمصر ( بولاق 1279 ه - 1862 1863 ؛ القاهرة 1302 ه - م 188 ) . ويمكن القول بأن المقرى قد خلد الدور الكبير الذي لعبه أصدقاؤه الدمشقيين في خروج الكتاب 223 ، فهو في مقدمته العريضة يومئ أكثر من مرة وبالتفصيل إلى إلحاحهم الشديد وإلى محادثاتهم وتذكيراتهم الكتابية في هذا الصدد إن نثرا وإن شعرا . وهو يبين أن مصنفه هذا الكرس لأسبانيا العربية يرتبط بالسوريين في أربعة نقاط ، أولاها أن الدافع الأول لظهوره يرجع إليهم ؛ ثم إن أهل الشام هم الذين افتتحوا أسبانيا ؛ أضف إلى هذا أن الشطر الأكبر من سكانها العرب كان ينتمى إليهم ؛ وبخلاف ذلك فإن غرناطة التي أصبحت بالتالي آخر ملاذ للعرب بأسبانيا كان أول من أستوطنها عند إنشائها جماعة تتكون في معظمها من أهل دمشق 224 . ولعل عواطف المقرى نحو أصدقائه السوريين هي التي توضح السبب في أنه وصع مصنفا تاريخيا بعنوان « عرف النشق في أخبار دمشق » تقتصر معرفتنا به حتى الآن على عنوانه فقط الذي ورد في قائمة ببليوغرافية 225 . وإن الأمد الوجيز الذي أكمل فيه المقرى تأليف كتاب يضم ما يقرب من ثلاثة آلاف صفحة مطبوعة ليقف بالطبع دليلا على أن موضوع الكتاب كان يشغل جانبا من تفكيره على الدوام وأن مادته قد تم