تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 736

مساهمون:

ص٧٣٦
عليه سبع مرات قراءة صحيح البخاري الذي أصبح بمرور الزمن الموضوع المفضل لتدريسه حتى نال الشهرة فيه بين الناس . وكانت فاس في ذلك العهد مركز الدراسات الدينية بالمغرب واشتهر فيها بذلك مسجد القرويين المعروف ، وإليها رحل المقرى وهو غلام في عام 1009 ه - 1600 ؛ وفي العام التالي لهذا زار مراكش ثم أغمات حيث يوجد قبر الأمير الشاعر المعتمد . وقد زار المقرى مسقط رأسه عدة مرات في سنى حداثته ولكن نراه مرة ثانية بفاس في عام 1013 ه - 1604 ، ثم ما لبث أن استقر بها لمدة طويلة ابتداء من عام 1022 ه - 1613 وشغل بها منصبا محترما كإمام ومفت بجامع القرويين رغما من حداثة سنه . وكان موضوع تدريسه الخاص طول حياته هو الحديث ودوّن في ذلك عددا من التصانيف اعتمد عليها في التدريس في تلك الآونة وفيما بعد أثناء إقامته بالمشرق ؛ إلا أن ميوله الخاصة ، أو كما مقال « غير الرسمية » ، قد اجتذبته على ما يبدو منذ سن مبكرة نحو أدب الأندلس وتاريخها فليس غريبا إذا أن يهتم منذ أيام شبابه الأولى بالمعتمد وابن الخطيب . وثمة ظروف خاصة يمكن أن تكون قد تركت أثرها عليه ، ذلك أن أيام صباه تتفق مع لحظة طرد الموريسكيين نهائيا من أسبانيا في عهد فيليب الثاني في عام 1609 ؛ وقد انتقلت هذه الفئة النشطة إلى شمال أفريقيا باعداد كبيرة واستقرت بمدنها الكبرى مثل تونس وفاس وتلمسان 203 . وكان في مستطاع المقرى أن يسمع منهم روايات حية كما كان بمقدورهم أن يحملوا معهم من أسبانيا بقايا المصادر الأدبية لا باللغة الألخميادوية وحدها بل وأيضا بالعربية الخالصة ؛ ومهما يكن من شئ فلا يوجد ثمة شك في أن المقرى لم تفته في هذا العهد المبكر من حياته المواد المتعلقة بالحضارة العربية الإسبانية ، بل وربما يكون قد جمعها بكميات كبيرة . وقد تمكن المقرى من العثور على أشياء ذات أهمية بمكتبة سلاطنة السعديين بمدينة مراكش ولا بخلو من مغزى أن احدى المخطوطات التي اشتغل بدراستها موجودة حاليا بالإسكوريال 204 ، وأغلب الظن أن هذا قد تم دون نظام محدد أو خطة مرسومة . وهذه الاتجاهات لم تجد انعكاسا في المؤلفات الأدبية للمقرى إلا قريبا من نهاية حياته عندما حمله أصدقاؤه على وضع أثر أدبى ميزه عن بقية المشتغلين بالعلوم الدينية . وفي آخر رمضان من عام 1027 ه - سبتمبر 1618 غادر المقرى المغرب ووجهته الأساسية حج بيت اللّه . وأغلب الظن أنه اعتقد أن غيبته لن تطول - - لأنه ترك وراءه القسم الأساسي من مخطوطته ومادته بالمغرب ؛ غير أنه لم يقدر له الرجوع مرة ثانية إلى أرض الوطن . وخط سير رحلته معروف لنا جيدا من إشاراته الشخصية في مقدمة كتابه الذي يهمنا بصورة خاصة ، فقد أخذ طريق البحر إلى مصر ولكنه لم يقم طويلا بالقاهرة في هذه المرة الأولى إذ غادرها في رجب من عام 1028 ه - يونيو 1619 إلى مكة . ولم يلبث أن رجع إلى القاهرة في المحرم من عام 1029 ه - ديسمبر 1619 فتزوج بها ، ويلوح أنه قد عقد العزم على الإقامة بها لمدة طويلة . ومن الجلى أن ظروف حياته لم تسر بحسب ما يهوى ، وينعكس هذا في شكايته التي نظمها شعرا وفي القاق الذي استولى على نفسه حتى دفعه إلى الترحال مرة ثانية . ففي ربيع
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 736 | اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي / صلاح الدين عثمان هاشم / ابغور بابايف