تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
الصدد 187 . هذا وقد اقتصرت دائرة اتصاله بالطبع على الوسط الأرستقراطى ، وجهد رجال البلاط في أن يحدثوا في نفسه أثرا طيبا بأدبهم الجم وبشاشتهم وحسن معاملتهم ، كما بذلوا جهدهم في أن يروه كل ما يمكن أن يكون ذا طرافة وأهمية بالنسبة له 188 . غير أن هذا لم يطغ على الجوانب الأخرى للحياة فهو يهتم بالجانب الاقتصادي وبوجه الكثير من انتباهه إلى طرق الزراعة وتربية الحيوان 189 ؛ أما فيما يتعلق بعالم الطبيعة فهو يقف موقف الملاحظ المهتم بنشاط الإنسان فيه ولا يولى اهتماما خاصا بالمناظر الطبيعية أو جمال الطبيعة نفسها أو يكلف نفسه نقل الأوصاف الشاعرية التي صاغها الغير 190 . وفي مقابل هذا فقد كان في موقف يمكنه من أن يتثبت من الأثر السىء الذي تركه كشف أميريكا على أسبانيا والإسبانيين رغما من الغنى الفاحش الذي عاد إلى البلاد نتيجة لذلك 191 . وبوجه عام فكتابه لا يخلو من الطرافة ومادته ذات أهمية في العادة ، وهي تمس السكان والمدن والريف والطبقات العليا والدنيا ولا يوجد في عرضه أي أثر للتحيز المقيت أو العصبية ضد الأجانب بل ينبض بالكثير من العاطفة الطيبة نحو الغير مما سمح له يتفهم أشياء كثيرة تعد غريبة بالنسبة للمسلمين . وإن ما يمتاز به العرض من حيوية وقوة ملاحظة ليقف كفئا لأحسن أوصاف الرحلات الأوروبية لذلك العهد فهو يقدم لنا لوحة دقيقة للحياة الإسبانية وعلى الأخص حياة البلاط الإسبانى في عهد كارلوس الثاني 192 . ولعلنا نذكر جيدا كيف أنه قبل عشرين عاما من الغساني وجد الرحالة العربي المسيحي إلياس الموصلي في نفس تلك الظروف ، ولعل عقد مقارنة خاصة بين معطياتهما سيكشف لنا عن تفاصيل ليست بالقليلة من حيث طرافتها . ولنذكر عرضا أن الغساني يتحدث عن سفارة من « مسكوبيا » زارت أسبانيا قبل مجيئه بثلاثة أعوام 193 ، ومى المحتمل أنه إنما يشير بذلك إلى سفارة روسية زارت فرنسا وأسبانيا في عام 1687 . . 1688 كما يستفاد من مصادر أخرى 194 . ولم تمر سفارة الغساني هكذا دون أن تترك أثرها على سير الأدب ، وسنرى في القرن التالي لهذا رحلة مماثلة إلى أسبانيا قام فيها بمهمة دبلوماسية رجل آخر من أهل مراكش يدعى الغزال يمكن أن نلمح في تضاعيف وصفه لرحلته انعكاسا معينا لوصف رحلة الغساني 195 . وأغلب الظن أن الشريف اعتبر رحلة الغساني رحلة موفقة إذ نراه يبعث به في العام التالي أي في سنة 1103 ه - 1692 كاتما لأسرار سفارة أخرى وجه بها إلى الأتراك في الجزائر . ولم يحفظ لنا وصف لهذه الرحلة الأخيرة . هذا وقد توفى الغساني بفاس في سنة 1119 ه - 1707 . وكما هو الحال مع العهود السابقة فإن المغرب يقدم لنا في القرن السابع عشر بعض المؤرخين الذين يلفتون النظر إما لميلهم الواضح نحو الجغرافيا أو لوجود معطيات جغرافية وافرة في مؤلفاتهم . وقد اكتسب أكبر شهرة بينهم في الأوساط العلمية الأوروبية محمد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني المعروف عادة بنسبته الأخيرة أو بكنيته الثانية « ابن أبي دينار » 196 ؛ ويوجد مصنفه « كتاب المؤنس في أخبار أفريقيا وتونس » في طبعة تونسية قديمة ترجع إلى عام 1286 ه - 1869 وأخرى أحدث منها ترجع