( Polyhistor )
وأسهموا بالتأليف في كل فروعه 170 ؛ وبروكلمان محق في حكمه هذا طالما حملت ألفاظه تلك على أن المقصود بها هو أن مصنفاتهم لم تخرج عن نطاق المنهج المعهود لدى المؤلفين المسلمين . غير أنه ليس بمقدور أحد أن ينكر أن انتشار التأليف في مجالي التاريخ والجغرافيا التاريخية بالمغرب إنما يمثل ظاهرة تلفت النظر بالنسبة لذلك العهد بأجمعه عند مقارنة ذلك ببقية الأقطار العربية 171 .
والعصر الذي نعالج الكلام عليه في هذا الفصل بالذات يقدم لنا رحالتين يمثلان كلا الاتجاهين ، هما الحاج العباشى والدبلوماسى الوزير الغساني . أما الأول وهو أبو سالم عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر العياشي 172 فمن البربر من قبيلة ايت عياش التي كانت تقيم بسجلماسة مركز واحة تفيللت بأطلس الوسطى . وقد ولد رحالتنا في عام 1037 ه - 1628 ، وهو كجميع معاصريه ممن دفعتهم الرغبة في طلب العلم إلى الرحلة ارتحل وهو في سن الشباب إلى مدينة فاس التي كانت تمثل آنذاك مركز الثقافة بأفريقيا الشمالية ، وقد وجه اهتمامه إلى ثلاثة فروع من علوم الدين هي الحديث والشريعة والتصوف . وفي عام 1059 ه - 1649 أدى فريضة الحج لأول مرة فمر في طريقه بتوات وورجله وطرابلس حتى بلغ مصر ، ثم تابع دراسته لبعض الوقت في كل من القاهرة ومكة كما أقام مرة ثانية ابتداء من عام 1073 ه - 1662 مدة ليست بالطويلة بمكة والمدينة ، ولكنه توفى بموطنه - - من الطاعون في عام 1090 ه - 1679 . وقد دون مذكراته المتقطعة أثناء الحج ، غير أن رحلته الأخيرة دفعته إلى تبييض المسودة النهائية لوصف رحلته المعروف لنا بعنوانين أحدهما تقليدى صرف هو « الرحلة العياشية » والآخر تغلب عليه الصنعة هو « ماء الموائد » ؛ والكتاب موجود في طبعة حجرية ظهرت في جزئين بفاس في عام 1310 ه - 1898 173 ؛ ويبصر من مضمونه أن المؤلف قد وجه عنايته في المكانة الأولى بالطبع إلى الكلام عن الأولياء والعلماء والدراويش وأهل التصوف ويغلب على عرضه أحيانا طابع متعدد الألوان لمادة متنوعة من محيط الجغرافيا والعادات والدين وحياة المتصوفين وأهل الحديث ، كما أنه إلى جانب أهميته كمصدر جغرافى يجب ألا تغفل أهميته التاريخية بالنسبة لذلك العصر رغما من أن أوصافه على وجه العموم جافة وتنقصها الحيوية . أما أسلوبه الأدبي فتنعكس فيه بالطبع علامات عصر التدهور ولكنه يتميز بالبساطة باستثناء الحالات التي يعالج فيها المؤلف الكلام على الموضوعات الصوفية ويرى لزاما عليه أن يلجأ إلى لغة مغلقة ومتكلفة . أما تركيب الكتاب العام فقد أفسده إلى حد كبير ميل المؤلف المبالغ فيه إلى الاستطرادات المتتالية .
ويحتل أهمية خاصة في مادته الواقعية وصفه لطرق القوافل من المغرب إلى مكة مع تبيان واف للمنازل المختلفة ؛ كما توجد لديه تفاصيل تمكن من تبيان الحد الذي يفصل بين الأراضي الصحراوية والأراضي الصالحة للزراعة ، وقد لفت الأنظار إلى هذا منذ الأربعينيات من القرن الماضي مترجم الرحلة بربروجه
Berbrugger
. غير أن المؤلف نفسه لم يعتبر كل هذا جديرا باهتمام الرحالة الجاد ؛ فهو قد صرف اهتمامه قبل كل شئ إلى فحص مناهج العلوم الإسلامية في البلاد التي زارها بحيث يمثل كتابه إلى حد ما