إلى الساحل الغربى للبحر الأحمر فنزلت بمحلة صغيرة تدعى بيلول بمنطقة قبائل الدناكلة وهناك أمضى الرحالة ما يقرب من شهرين . وقد مكنت هذه الإقامة المؤلف من أن يقف على عاداتهم البدائية التي كان من شأنها أن تسترعى أنظار رجل مسلم ينتمى إلى حضارة أرفع . ثم ضربوا بعد ذلك برا في أرض قبائل القالة
Galla
الذين يقول المؤلف عنهم إنهم كانوا بمثلون خطرا كبيرا لا على القوافل وحدها بل وأيضا على السكان الحضر . ثم تخلفوا مرة ثانية لمدة أربعين يوما بمدينة كبيرة تسمى أندرته ، وبعد ذلك اخترقوا أرض الفلاشة ( « الفلاسه » ) الذين يورد عنهم المؤلف تفاصيل شيقة ، حتى بلغوا مقر النجاشي بغندر .
ولم تكن إقامة السفارة اليمنية بالعاصمة هادئة على الدوام فقد تعرضوا للحريق مرتين من جانب السكان المحليين على ما يبدو ، والذين نقموا منهم تعضيدهم للمسلمين . ويقدم لنا المؤلف تفاصيل شيقة عن محادثاته مع قبطي كان يشغل مكانة رفيعة بين رجال الدين وكان مقربا من مطران الحبشة « أبونا » الذي كان آنذاك منفيا في إحدى « جزر النيل » كما ذكر محدثه ؛ ومن الطريف أن مترجم النجاشي كان رجلا من بخارا دخل في المسيحية وكان يجيد العربية إجادة تامة 158 . هذا وقد امتدت إقامة السفارة بالعاصمة إلى مدة تقرب من تسعة أشهر 159 ورجعت بسلام إلى اليمن في ربيع الأول سنة 1059 ه - مايو 1649 سالكة طريقا معروفا مر بها على ميناء مصوع ( « مسوع » ) وجزيرة دهلك حتى بلغت مرفأ اللّحية .
ويذكر مترجم سيرة الحيمى أن السفارة قد أثارت في نفوس الأهالي ذعرا شديدا لأن أفرادها كانوا يحملون معهم أسلحة نارية ، مما لم يكن آنذاك تحت أيدي القالة أو الأحباش . وكان ذلك العهد عهد انتصار للأحباش في نضالهم مع جيرانهم المسلمين ، ولو أن هذا لم يحل دون وجود عدد كبير من المسلمين داخل أرض الحبشة . وقد أبصرت السفارة قريبا من غندر نفسها بلدة جميع سكانها من المسلمين 160 ، كما وجد عدد كبير من أتباع مذهب الشافعي في مواضع عديدة من تلك البلاد ؛ بل إن العاصمة نفسها كان بها حي خاص بالمسلمين 161 . ونحن نعلم جيدا أن ملك الحبشة قد أصدر فيما بعد ، وذلك في عام 1668 ، مرسوما لم يلبث أن تجدد العمل به في عام 1678 يقضى بمنع المسلمين من الإقامة - - في مكان واحد مع المسيحيين وهذا في حد ذاته يقف دليلا على كثرة المسلمين في تلك البلاد 162 .
ووصف هذه الرحلة الذي تم تدوينه بعد رجوعهم بقليل يحمل على ما يبدو عنوان « حديقة النظر وبهجة الفكر في عجائب السفر » 163 . أما أسلوبه فقد صيغ في لغة أدبية جيدة وعناية بالتنميق وتكلف للسجع ، كما يحوى من موضع لآخر مقتطفات شعرية . وقد ضمن المؤلف وصف رحلته قصيدتين وضعهما وهو بالحبشة يعبر فيهما عن شوقه وحنينه إلى أرض الوطن . وإلى جانب العرض الشيق فإن وصف الرحلة مفعم بالتفاصيل الطريفة ، وكان أول من وجه إليه الأنظار هو بريتوريوس
F . Praetorius
وذلك منذ عام 1885 ، ثم أصبح بفضل البحثين اللذين عملهما بيزر
Peiser
في متناول أيدي المشتغلين