ومثل هذا الحكم لم يمنع بالطبع بعض البحاثة من أن يقفوا موقفا سلبيا بإزاء الدوافع الشخصية التي كانت وراء الرحلة ؛ فهم قد أبصروا في سلوك الرحالتين ضربا من الكدية والاتجار بالغفران
( induigence )
117 ؛ وقد وصف أحد النقاد بولس بأنه « شاهد مرتش ، قد رشاه الشعب الروسى بالتبرعات الوافرة التي حملها أبوه من بلادنا » 118 . ومثل هذه الجوانب يجب بالطبع أخذها في الحساب عند درس الأثر من الناحية التاريخية والاجتماعية .
ونستطيع الآن من وجهة نظر دراستنا هذه أن نختتم كلامنا عن أوصاف الرحلات العربية التي خرجت من الوسط المسيحي في القرن السابع عشر بقولنا إنها لا ترتفع من حيث تركيبها الأدبي إلى مصاف المصنفات المبكرة من هذا الطراز التي دونها مؤلفون مسلمون والتي تستند على تقاليد ضاربة في القدم . ورغما من هذا فإن اثنين منهما على الأقل وهما لبولس الحلبي وإلياس الموصلي يقفان دون منازع فوق جميع أوصاف الرحلات الأخرى التي خرجت من نفس ذلك الوسط من حيث أصالة الموضوع وحقهما في أن يعترف بهما كمصادر ذات أهمية استثنائية بالنسبة لجغرافيا البلاد التي يصفانها .
وقد ظلت الأوصاف الإقليمية
( regional )
في القرن السابع عشر والأزمنة التالية له ممثلة بعدد من المؤلفات بطائفة من النقلة المقلدين ، بحيث لا يمكن القول بأنها فاقت في شئ غيرها من مؤلفات ذلك العصر . وبعض هذه الأوصاف يتعلق بسوريا وهي موجودة عادة في المخطوطات ، أما المؤلفون فلم يكونوا في أنفسهم من الشخصيات الهامة . مثال ذلك ناصر الدين السوائي الشفونى 119 وكان خطيبا بأحد المساجد كما يشير حمله للقب الخطيب ، وقد وضع في حوالي عام 1054 ه - 1644 رسالة بعنوان « الجوهر المكنون في زيارة جبل قاسيون » عالج فيها الكلام كما يتبين من العنوان على موضع من أشهر مواضع الزيارة بدمشق . غير أنه من بين الفصول السبعة لهذا الكتاب الكبير الحجم فإنه لا تعالج سوى ثلاثة منها الكلام على جبل قاسيون و « مغارة الدم » ومسجد إبراهيم ، أما بقية فصول الكتاب فتتحدث عن دمشق عامة وعن فضائلها والدور الذي خصص لها عند قيام الساعة 120 ؛ ولعله لهذا السبب حمل المصنف في مخطوطة أخرى عنوانا مغايرا بعض الشئ هو « الجوهر المكنون في فضائل الشام وجبل قاسيون وفي فضل التين والزيتون » 121 . وإلى نفس هذا الوسط ينتمى محمد بن يحيى الحلبي الفرضي المتوفى في عام 1090 ه - 1679 122 والذي اشتغل بالتدريس لبعض الوقت بالمسجد الأموي بدمشق .
وقد ترك لنا مصنفا من نفس المضمون ، ليس في ضخامة المصنف السابق ولو أنه يفضله من ناحية التبويب ، ويحمل عنوان « الإشارات إلى أماكن الزيارات » ؛ وهو يعالج فيه من الزاوية المعهودة لنا جيدا وفي نفس الصور التقليدية الكلام على « زيارات دمشق وما حولها من قبور الصحابة والتابعين والعلماء العاملين والأولياء والصالحين والمعابد المباركة والأماكن الشريفة » 123 . وقد حفظ هذا الضرب من الأدب - - بعض السمات التي ثبتت في عهود سابقة ؛ فمثلا يرتبط باسم مؤلف غير معروف لنا عن كتب