قد كان محصورا بشكل خاص في وسط بلاطى وإكليروسى صرف لذا فقد تركز اهتمامه الرئيسي على الحياة الدينية ، أي بالذات ذلك الميدان الذي كان مقفلا وعسير الاتصال بل وأكثر من ذلك غير مفهوم بالكلية بالنسبة للرحالة العرب الذين زاروا روسيا . وفي هذا الصدد فإن « سفرة » أو « رحلة مكاريوس » أثر فريد في نوعه بالرغم من مجاله الضيق المحدود الذي لا يضم جميع جوانب الحياة الكنسية نفسها . ولا يزال بعض المادة محتفظا بقيمته إلى أيامنا هذه - - ، مثال ذلك رواية بولس المسهبة عن المسائل المتعلقة بالآثار الكنسية وهي في هذا تمثل أهمية في المكانة الأولى بالنسبة لتاريخ الفن الروسى القديم . وفي كلامه لا يقتصر بولس على المعمار وحده بل يقدم لنا وصفا مفصلا للكنائس وأبراجها ، كما أن نفس القدر من الاهتمام يوليه أيضا للكلام على الايقونغرافيا
( Iconography )
فيحلل بالتفصيل الميزات الهامة لفن التصوير بروسيا الجنوبية ويبدي نفس هذه الدقة في وصفه للرسوم المصورة على الجدران والتي سلبت لبه بشكل خاص ؛ ورواياته في هذا المجال تمثل بالنسبة لآثار عديدة أهمية تاريخية عظمى بل وأحيانا تعد الشاهد الوحيد على مجرد وجود تلك الآثار .
وتمثل روايات بولس المفصلة عن طقوس الخدمة الدينية
( Liturgy )
في الحياة الكنسية أهمية كبرى ، وهنا لا يقتصر كلامه على العبادة بالمعنى الضيق لهذا اللفظ بل يمس أحيانا مسائل التلاوة والترتيل والإنشاد التي بدت لهم مختلفة تمام الاختلاف عما عهدوه بأرض الوطن . لا شك أن إقامتهم الطويلة بروسيا كانت في صالح الدقة واكتمال الوصف ؛ ففي أثناء وجوده بموسكو تمكن بولس من أن يراقب بدقة لا الخدمات الدينية المعتادة كالعبادات التي تستمر الليل بطوله بل وأيضا مجموعة الطقوس المتعلقة بالصيام الأكبر وعيد الفصح ، هذا إلى جانب عدد عديد من المناسبات الدينية النادرة ابتداء من الطقوس السرية إلى تتويج الملوك ؛ وقد أبصر هذه الأخيرة عند انتخاب أمير (
Hospodar
ولاخيا ( الأفلاق ) الجديد . أما فيما يتعلق بالأناشيد الكنسية فقد عالج بولس الكلام عليها بالتفصيل ، أضف إلى هذا أنه كان لمكاريوس صلة مباشرة بها ؛ ذلك أن هذه كانت واحدة من المشاكل الدينية في ذلك العصر التي أثارت الخواطر في كل من دولة الموسكوف وأكراينا ؛ ويوجد توقيع مكاريوس على منشور إدخال الغناء الجماعي في الأناشيد الكنسية بروسيا ، وهو ذلك المنشور الذي تم طبعه في عام 1915 . ويرتبط هذا المنشور بالرحلة الثانية لمكاريوس إلى روسيا ، وهي الرحلة التي قام بها بمناسبة انعقاد مجمع عام 1666 - 1667 86 .
ومما لا شك فيه أن عددا من التفاصيل التي يوردها بولس ذات أهمية محدودة ولاتهم سوى المتخصصين في ميادين معينة ، وإذا حدث وأن لاحظنا لديه ميلا إلى المبالغة في وصف جوانب معينة من الحياة فيجب ألا يغيب عن بالنا أن عرضه يقوم على قاعدة عريضة ويعكس جميع دلائل الواقعية وذلك في أسلوب طليق لا محل فيه للصنعة والتكلف ؛ وهو وإن أظهر بعض السذاجة إلا أنه أسلوب مباشر ولا يخلو أحيانا من أثر المرح . وفي هذا تكمن قيمة ذلك الأثر بوجه عام ؛ وهو وإن لم يمثل مصنفا ممتازا من حيث القيمة