على أسلوبه العادي ولم يبلغ ما أراده منه المؤلف . ويقدم لنا حبيب الزيات أمثلة ناصعة لهذا 84 « * » ؛ ويجب أن نأسف من ناحيتنا لأن بولس لم يتقيد على الدوام بحدود الإطار العام للغة المتداولة آنذاك والتي تمثل بالنسبة لنا شيئا له قيمته ، وعلى أية حال فإنه لم يكن الملوم في هذا إذ غلبت عليه روح العصر الذي عاش فيه .
وليس هنا مجال الحديث عن قيمة الأثر من وجهة النظر الجغرافية بالمعنى العريض وذلك وفقا لمحتوياته ومادته الواقعية إذ توجد في هذا المجال دراسات عديدة ، خاصة باللغتين الروسية والرومانية ، ثم باللغة العربية أيضا في الأعوام العشرة الأخيرة . ومما يؤسف له أنه لا يوجد بحث يلخص لنا تلك الأبحاث ولو باللغة الروسية ، بل إن مصنف غولوسوف
A . Golosov
( 1916 ) الذي ظهر بهذه اللغة الأخيرة لم يستكمل فضلا عن أنه لا يمكن اعتباره بحثا علميا جادا 85 . وقد تجول مكاريوس في مناطق لم تجد في هذا العصر صدى في الأدب العربي المعاصر له ، وفيما عدا آسيا الصغرى التي لم تكن معرفة العرب بها ضئيلة فإن بلادا كمولدافيا وولاخيا والأوكراين لا تجد في موضع آخر وصفا مفصلا كهذا يشمل أحيانا استطرادات هامة من محيط الماضي . ونظرا لسير الرحلة البطىء والأمد الطويل الذي استغرقته فقد مكن هذا رحالتنا من أن يتعرف عن كثب على الشخصيات الكبرى لعصره مثل الآتمان
( Hetman )
خميلنتسكى والقيصر الكسي ميخايلوقتش والبطريرك نيكون ، وذلك دون حاجة إلى ذكر عشرات الشخصيات الأقل أهمية من هؤلاء والتي كان لها دور كبير في مختلف الميادين . كما وأنه كان شاهدا لحوادث تاريخية خطيرة مثل اتحاد الأوكراين مع روسيا والحرب ضد بولندا وابتداء حركة « أهل العقيدة القديمة »
( Old - believers )
واستشراء الطاعون
( piague )
. وبهذا يمكن القول بأن كتاب بولس الحلبي ليس أقل أهمية كمصدر تاريخي منه كمصدر جغرافى بالنسبة للتاريخ السياسي والروحي لعصره .
وبالطبع فيجب ألا يغيب عن أذهاننا أن هذا الجانب لم يشغل المكانة الأولى بالنسبة للمؤلف ، فهو
هامش
( * ) جاء في مقال حبيب الزيات المومأ إليه في وصف أسلوب بولس ما نصه : « وكان أقصى همه الإكثار من التزويق والتنميق كلما وجد إليهما سبيلا دون أقل مراعاة منه لمقتضى الحال . وكان ككثير من كتبة زمانه المتحذلقين يرى أن الفصاحة قائمة في الاستزادة من المترادفات وتكرار المعنى الواحد بألفاظ مختلفة لغير حاجة سوى المباهاة بكثرة المحفوظ منها ، وأن البلاغة الحقيقية منحصرة في التزام الأسجاع في كل معنى ولو بمحالفة كل ذوق وقياس . ولذلك جاء منها بالثقيل البارد ودسها بين كل سدى ولحمة وأطال بها ذيل رحلته بما كدر صفوها وجعل المطالع والناقل لها يتبرم منها ويحرج صدرا بكثرة اللغو والتكرار والفارغ وغلبة اللحن والسقط فيها ، فضلا عن اعتراض بعض الألفاظ العامية والمصطلحات الحلبية الدخيلة من التركية وهي ما لا يتهيأ فهمها وإدراك معناها الصحيح لكل أحد ممن حاول ترجمتها لقلة ألفته بها وعدم ورودها في المعاجم . وقد وقفنا على بعض صفحات نقلت إلى الفرنسية من الترجمة الروسية بقلم وطنينا المرحوم جرجى مرقص الدمشقي فوجدناها لا تتبرأ من الوهم والخطأ في بعض مواضع تصحف فيها الأصل عليه أو أساء فهمها فأساء تأديتها . فما الظن بغيره من النقلة الأجانب ؛ ومن بعض الأمثال على ولع الشماس بالمترادفات لغير طائل قوله في كلامه . . . . . وأما السجع فقد بلغ به أنه التزمه في كل مقام ومقال حتى في حكاية بعض الأخبار التافهة وسرد بعض الأرقام أو في تاريخ الأيام مما لا محل لأقل تأنق فيه . وربما خالف من أجله كل قياس كقوله . . . . » ( المترجم )