وإن ما تنفرد به معلومات بولس من استقلال وأصالة لا يقل شأنا عما انفرد به هو نفسه من أصالة واستقلال من حيث الاتجاه الأد ، وقد عاون هذا إلى حد كبير في أن يسبغ على وصف الرحلة طابعا من الأصالة والحيوية والسلاسة . فهي تمثل تدوينات مباشرة لانطباعاته الشخصية يوما عن يوم ولم يكن قد أعاد النظر فيها على الدوام ، ولعله يجب أن نبصر شيئا من التحايل الأدبي لديه عندما يذكر في مقدمة مصنفه أنه أخذ في تدوين مذكراته تحت إلحاح وإصرار من جانب صديقه الشماس جبراييل قسطنطين رغما من إحساسه بما يحيط بهذه المهمة من عناء ومشقة 78 ؛ وهو قد عاد إلى الكلام عن هذا أكثر من مرة خلال كتابه « * » . غير أنه لا سبيل إلى إنكار واقعة هذا الإلحاح من جانب صديقه ، خاصة وأن الشماس جبراييل شخصية تاريخية عاشت فعلا فهو من أسرة الصايغ التي اكتسبت الشهرة في ميدان الأدب 79 .
هذا وقد بدأ بولس في تسجيل مدوناته منذ اليوم الأول للرحلة ولم ينقطع عن ذلك إلى لحظة رجوعه إلى أرض الوطن ، وأخذت هذه المدونات تتجمع بالتدريج كما وأن إقامته الطويلة في بعض المواضع قد سمحت له لا بنسخ عدد من المخطوطات التي حفظ لنا بعضها بل وبتنظيم « الأوراق المبعثرة » أيضا .
أما تبييض المادة فقد بدأ فيه قبل قليل من مغادرته لموسكو في فبراير من عام 1656 وسار قدما في هذا حتى بلغ فيه بالتقريب إلى ما قبل عام من ذلك التاريخ 80 . وهكذا تشكل شئ أشبه ما يكون بمسودة أولية للرحلة يبدو أنها كانت موجزة بعض الشئ ؛ بل إن بولس نفسه كان رأيه فيها كذلك وكان يأمل أن يعيد صياغتها وتوسيعها عند رجوعه إلى أرض الوطن 81 . وقد حقق هذا الأصل فخرجت المسودة الثانية أوسع بكثير من الأولى ولا بد أنه أكملها قبل خروجه في رحلته الثانية إلى « المسكوف » - - ، غير أن العمل فيها لم يتوقف عند ذلك الحد فقد ظل بولس يضيف زيادات إلى الكتاب فيما بعد حتى في خلال رحلته الثانية وإقامته بالقوقاز كما يذكر هو بنفسه 82 ، أي أنه بمعنى آخر كان يفعل ذلك إلى ما قبل وفاته عام 1669 بقليل . وليس من العسير أن ندرك من هذا أن التاريخ الأدبي للأثر معقد بما فيه الكفاية ، فأمامنا على الأقل مسودتان للكتاب هما المسودة القصيرة أو الأولى والمسودة الكبيرة التي أضاف إليها بولس
هامش
( * ) رأيت من الأفضل أن أسوق ألفاظ بولس في هذا الصدد توضيحا للمتن الروسى ورغبة في إعطاء الفارئ فكرة عن أسلوبه في الكتابة العربية . قال :
« رغب إلى . . . . أن أجمع تاريخا يتضمن حال ميرنا وذهابنا يوم فيوم كافة مدة غيابنا وأوصف محررا جملة أمور البلاد التي نجوزها ليتحقق عند الكافة ما يسمع عنها من إشارات الأحاديث ورموزها فاعتذرت إليه أنني لست كفوا لهذه الصناعة سيما وأنا معوزا مما يناسبها من البضاعة أعنى من ترتيب تنميق الأقوال وإعراب الكلام ومن حسن تركيب الألفاظ كأهل هذا الفن السادة الكرام وسألته أن يعفيني مما لا يستطاع سيما إذ نحن سايرين بكد وإسراع فلم يقل منى هذا الاعتذار وألح على بالمطلوب وواظب التكرار فانتهزت حينئذ همتي الثائرة ومددت للمقصود يدي القاصرة لا لكي أنتظم في جريدة المؤرخين ولكنني ابتغيت إثبات أمور كثيرة كالت تنكر على الناقلين ولم يكن أحد يصدقها ويظن أن كاتبها وناقلها لغوا ينمقها إلى أن تحققت ما بالنظر شاهدته وسماعا صحيحا سمعته وثبتت عندي صحته ليس البعض منه لكن الجميع بجملته أي ما لاحظته رؤية العين حتى ذهبنا إلى بلاد المسيحيين واتضح لنا ساير ما سنذكره اعني كلما ثبت عندنا في مسافة الطريق وإقامتنا هناك إلى أن عدنا إلى بلادنا » .( Radu , p . 21 ). ( المترجم )