تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 714

مساهمون:

ص٧١٤
قد عرف اللغة الروسية معرفة لا بأس بها إبان هذه المدة بحيث لم يكن في حاجة إلى مساعدة الغير . وفي العادة لجأ مكاريوس وبولس إلى التحدث باللغة الإغريقية التي تعودا على استعمالها بالتدريج أثناء رحلتهما ، وفي حالات نادرة استعملا اللغة التركية ولكن بطريقة مستترة مثال ذلك حين محادثتهما مع تتار سيبريا 71 ومن المحتمل مع أمير قاسموف « * » أيضا ولو أن الأخير كان يستطيع القراءة بالعربية كذلك 72 . وهما يوجه عام قد تحاشيا استعمال اللغة التركية التي كانت تثير الريبة والازدراء في نفوس المسكوف لاقترانها على الدوام في أذهانهم بالإسلام والأتراك . ونادرا ما حدث لرحالتينا أن تحدثا بلغتهما الوطنية باستثناء حالة واحدة تتميز بالكثير من الطرافة ؛ فقد بلغ أحد بنى وطنهم مرتبة الرئاسة في دولة المسكوف حتى أصبح حاكما ( قويفودا
Voevoda
« * * » ) على كاشيرا
Kashira
وكولومنه
Kolomna
وسرپوخوف
Serpukhov
؛ وأصل هذا الرجل من دمشق وكان قد أخذه معه وهو صبي أحد الباشوات إلى حلب ومنها إلى القسطنطينية وأهداه عبدا رقيقا إلى السلطان محمد الثالث . وفي أثناء الحملة على بلاد الفرس في عام 1616 وقع في الأسر ولكنه تمكن من الهرب ، ثم شغل مناصب مختلفة بالدولة العثمانية حتى أصبح حاكما لمنطقة حماة بسوريا ونابلس بفلسطين بل إنه ترأس في إحدى اللحظات إمارة قافلة الحاج الدمشقية . وأثناء حملة العثمانيين على بولندا في عهد السلطان عثمان الثاني ( 1618 - 1622 ) وقع مرة ثانية في الأسر ولكنه هرب إلى كييف في بادئ الأمر ثم التجأ إلى القيصر ميخائيل فيدوروفتش واعتنق المسيحية والتحق بخدمته . ويذكر عنه بولس أنه كان يجيد العربية 73 وأنه عند نهاية رحلتهم كان قد تم تنصيبه حاكما على كاشيرا للمرة الثانية 74 ، وكان معهودا فيه العدل والصدق . ولم يوجد بين المترجمين الذين عملوا بدولة المسكوف آنذاك شخص يعرف العربية ، ويقول بولس في هذا الصدد إنه « كان يوجد ببلاط القيصر - - سبعون مترجما يعرفون جميع اللغات ما عدا العربية » 75 . غير أن الأمر لم يخل من حالات استثنائية « فلدى القيصر عدد من الأسرى يقومون بالترجمة . وأحد هؤلاء كان يعرف اثنتي عشر لغة من بينها العربية في لهجة مصر والتركية واليونانية والإفرنجية ولكنه من أصل موسكوفى 76 » . وقد استطاع بولس نفسه في أواخر أيام إقامته أن يتخاطب باللغة الروسية بطلاقة حتى أن البطريرك ونائب القيصر وبقية « الوزراء » ، على حد تعبيره ، قد طلبوا إليه أن يبقى بين ظهرانيهم مترجما للغة العربية 77 . وبالطبع فقد قيل هذا على أغلب الظن من قبيل المزاح ولكنه يبين على أية حال كيف بزّ بولس جميع الأجانب بالتقريب الذين زاروا روسيا .
هامش
( * ) مدينة بمقاطعة بنزاPenzaكان أمرازها من التتار الخاضعين لقياصرة المسكوف . راجع المقال المنشور بدائرة المعارف الإسلامية . ( المترجم ) ( * * ) وقد عربها بولس هكذا « فويفوضا » ، وهو حاكم المقاطعة الذي يمثل القيصر . ( المترجم )