تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 706

مساهمون:

ص٧٠٦
التقاليد الأدبية نديها منذ عهد طويل ولم يتم إحياؤها إلا مؤخرا جدا . ونظرا لأن اتجاهها الروحي كان صوب الأدب الإغريقى البيزنطى فإنه لم يوجد بالنسبة لها قطب تدور في فلكه كدور رومه بالنسبة للطوائف الأخرى ، فبطركية القسطنطينية كانت تحت وضع من التبعية لا يسمح لها بأن تلعب دور القاعدة الرصينة بالنسبة لغيرها أو تقدم توجيهات ترتبط بالتيارات الثقافية العربية ؛ أما دول البلقان فقد غلب عليها الضعف وعدم الاستقرار . إزاء هذا فقد أخذت الأنظار منذ القرن السادس عشر تتجه إلى روسيا ، غير أن مستوى معرفتها آنذاك لم يكن بالقدر الذي يسمح لها بتكوين فكرة جلية عن احتياجات العرب المسيحيين رغما من أنه قد وجدت حالات مدت لهم فيها يد المساعدة المادية . وإذا حدث وأن أبصرنا بداية ظهور علاقة ثقافية في ذلك العصر فإن هذا قد تم أساسا - - بفضل مجهودات شخصيات منفردة احتلت مراكز كبرى أو أفراد تملكتهم روح التنوير بالقدر الذي فهمها عصرهم والوسط الذي عاشوا فيه . ولا يجوز أن نقف موقف الريبة من صدق عاطفة هؤلاء الأفراد ولو أنه يجب الاعتراف بأن نطاق إمكانياتهم كان محدودا وأن مجال معرفتهم كان أضيق من ذلك . وقد اقتصرت ثقافتهم على مجرد التمكن من القراءة باللغة العربية وهي لغتهم الكلامية ، وعلى معرفة طفيفة بمبادئ اللغة الإغريقية قد تسمح لهم في أفضل الأحوال إن ليس بترجمة المصنفات البيزنطية المتأخرة فعلى الأقل بفهم محتوياتها . وإلى هؤلاء الذين تشربتهم تلك العواطف الرفيعة يمكن أن نضم مكاريوس بطريرك الكنيسة الأنطاكية الذي سافر إلى روسيا مرتين في عهد القيصر ألكسى ميخايلوفتش ( وذلك في عام 1654 - 1656 وفي عام 1666 - 1668 ) والذي عرف عادة في الوسط العربي باسم مكاريوس بن الزعيم الحلبي الأنطاكي 26 . وأصله من شمال سوريا وقد نشأ في وسط ديني فقير وتم انتخابه في عام 1635 مطرانا لحلب وفي 12 ديسمبر من عام 1647 انتخب ليشغل منصب بطريرك الكنيسة الأنطاكية التي كان مقرها آنذاك بدمشق . وقد أحس منذ صباه كما يذكر هو نفسه بميل خاص إلى المؤلفات التاريخية خاصة تلك التي لم تكن معروفة في اللغة العربية ، ونظرا لاهتمامه بتثقيف وتنوير أبناء جلدته فقد بذل جهده في نقل فصول أو مقتطفات من اللغة الإغريقية إلى اللغة العربية ، إما بنفسه أو بمساعدة الغير . ومعظم المصنفات التي خلفها لنا ذات طابع نقلي بعضها معروف في مخطوطات بخط يد المؤلف نفسه وبعضها في شكل مسودات لم يبيضها . وله إلى جانب هذا تدوينات متفرقة أشبه ما تكون « بكشكول عام » سجل فيه المؤلف دون أي تنظيم جميع ما استرعى انتباهه من وقت لآخر على هيئة مقالات متفرقة أو اقتباسات موجزة . وكثير من هذه المادة يتعلق بتاريخ الكنيسة . وعندما يدور الكلام فيها عن الشرق فإن مكاريوس يعتبر في كثير من الأحيان مصدرا من الدرجة الأولى ، أما فيما عدا ذلك فهي نقول من مواد إغريقية لم يحدد مصادرها على الدوام بصورة دقيقة . ونلتقى لديه في بعض الأحايين بحكايات لوقائع شهدها بنفسه أثناء أسفاره أو سمعها ممن شهدوها ؛ وجميع هذا يوحى بأنه قد دون مادته على شكل مذكرات بالكثير من العجلة