تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤
وموضوع هذه الرحلة يقف دليلا بما فيه الكفاية على أهمية المكانة التي تحتلها رحلة إلياس الموصلي في الأدب العربي ؛ وهي لا تقل أهمية وطرافة من ذلك من حيث مضمونها . ويجب الاعتراف بأن قراءتها قد لا تخلو أحيانا من تأثير مؤلم على نفس القارئ فهي أثر من الآثار التي تصور عهد الاستعمار الذي أناخ بكلكله على أهل البلاد الأصليين واستغلهم استغلالا مشينا ؛ والمؤلف يعرض لنا وقائعه بالكثير من الهدوء دون أن يعكس أية انفعالات عاطفية إزاء ما يسرده . وفي هذا بالذات تكمن أهميته كمصدر تاريخي جغرافى ذي قيمة بالنسبة لذلك العصر بأجمعه . ولا شك أن المؤلف يتمتع باطلاع واسع ولكنه يجمع إلى ذلك سذاجة مذهلة
( sancta simplicitas )
تنعكس بوضوح في طريقة سرده لقصة الرحلة . وبالطبع فقد اقتصر وسطه أساسا على محيط رجال الدين والسلطات الإسبانية وكان ينزل أثناء أسفاره ضيفا على رؤساء محاكم التحقيق
( inquisition )
« * » المحليين أو على حكام النواحي أو الأساقفة ، ولو أنه كان على الدوام يأخذ طرفا في الحياة اليومية المحيطة به ويتدخل في النزاع بين - - الطوائف المختلفة ويراقب عن كثب مجريات الأحوال ويدون الحوادث التي يجدها جديرة بالتسجيل . أما سكان البلاد الأصليين من بين الهنود فقد حدث له أن التقى بهم في أثناء أسفاره التي قام بها أحيانا مع دليل أو دليلين من الهنود المحليين ؛ وهو قد رأى المزارع والمناجم التي كان يعمل بها الأرقاء كما رأى الأهالي يشتغلون بسوق البغال
( muleteers )
. وروايته على العموم تتميز بالدقة والتفصيل فهو يسجل باهتمام كل ما يقع أثناء الرحلة بما في ذلك الظواهر الطبيعية ؛ ونظرا لأنه كان صيادا ماهرا فهو لم يهمل الوقوف عند هذا الجانب من النشاط البشرى . وقد ظهر لديه معارف في كل موضع سواء برومه وبباريس أو إسبانيا ، وكان يحمل خطاب توصية لكل شخص حتى من الشرق نفسه . وهو بحكى بنفس « السذاجة المذهلة » كيف كان يقرض أصدقاءه النقود ، بل ويذكر من وقت لآخر قيمة الربح الذي كان يطالبهم به ، وكيف كان يدخر الفضة وبعض السلع القيمة ؛ ويبدو أن غرضه من هذا لم يكن تقديم الهدايا فقط بل القيام أيضا بصفقات تجارية . غير أن هذا كله لم يمنعه من القيام في كل مكان بالخدمات الدينية في المسوح الذي باركه البابا ولكن بلغته السورية ؛ وهو لا ينسى أحيانا أن يذكر لنا قيمة الهدايا التي أغدقت عليه في تلك المناسبات . أما المادة الجغرافية الخالصة التي تحويها دفتا كتابه فتتسم عادة بالصحة كما أنه يمكن التثبت من أسماء المواضع التي يوردها دون كبير عناء ؛ وعدد هذه المواضع كبير ويقدم مادة لا بأس بها عن أحوال ذلك العصر . وهو في وصفه للحياة الاجتماعية وأسلوب المعيشة لا يقتصر على الطبقات العليا للسكان الإسبان وحدهم بل يمس أيضا السكان المحليين من الهنود الذين لا تختلف نظرة المؤلف إليهم بطبيعة الحال عن نظرة العصر والوسط الذي عاش فيه ؛ وهو يشارك هذا الوسط معتقداته فيدون قصصا يمكن أن نجد لها مثيلا في
هامش
( * ) وهو يطلق عليها : « ديوان مجمع قضاة الإيمان الكاثوليكى الذي يسمى في لسان البنيولى الانكيجسيونInqulsicion» ( المترجم )
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 704 | اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي / صلاح الدين عثمان هاشم / ابغور بابايف