المصادر الإسبانية المعاصرة له ولو أنها لا تعدو أن تكون من صنع مخيلة العصور الوسطى كما أثبت البحث العلمي الحديث . ويجب أن نضيف إلى مزايا كتابه سلاسة الأسلوب وسهولته وخلوه من التنميق ، وذلك باستثناء المقدمة التي حاول أن يلتزم فيها أسلوبا أدبيا رفيعا ويزينها بالاقتباسات والشواهد من محيط الأدب العربي المسيحي . أما في بقية الكتاب فإنه لم يهتم كثيرا للشكل بل ركز اهتمامه في عرض الوقائع ؛ ورغما من أنه جهد في استعمال اللغة الأدبية فكثيرا ما وجدت طريقها إليه الألفاظ المحلية والكلمات التركية 19 بل وحتى أساليب لغة المخاطبة اليومية . غير أن هذا لم ينتج عنه تعقيد ما في فهم الكتاب ، ومن الممكن أن نعتبر رحلة إلياس الموصلي أثرا جغرافيا يتميز بالطرافة من نواح عدة ولو أن هذا لا يعطيه بطبيعة الحال حق الانضواء إلى الآثار « الكلاسيكية » المعروفة لنا . ورأى المستشرق الروسى غوردليفسكى
V . A , Gordlevski
وإن كان لا يخلو من التحفظ إلا أنه رأى صائب بوجه عام ، فهو يقول عنه « وهو قد دون في يومياته جميع ما رآه واعتقده جديرا بالذكر ولو أن أفقه الفكري - - محدود بصورة لا تسمح له بالدخول في مجال الاستقراءات والتعليمات الواسعة ؛ وهو نادرا ما يبدي ملاحظات تمثل أهمية ما من وجهة النظر العامة » 20 .
وبعد مضى مدة طويلة على ظهور الطبعة تم الكشف عن مخطوطات أخرى لوصف رحلة إلياس الموصلي لا في الموصل 21 وحدها بل أيضا في بغداد 22 والقاهرة 23 ، وحتى في مكتبة « ديوان الهند »
India Oflice
بلندن 24 ؛ وجميعها تسمح بإدخال تصحيحات على النص الذي نشره رباط . أضف إلى هذا أنه قد عرفت تفاصيل عنه وعن البيئة التي نشأ فيها بالعراق لذلك العصر ، غير أن معلوماتنا عن سنى حياته الأخيرة طفيفة كما هو الحال من قبل ويرجع آخر ذكر له إلى عام 1693 25 .
واستقراؤنا العام عن الأهمية الأدبية لرحلة إلياس الموصلي يمكن تكراره عن وصف رحلة أخرى خرج صاحبها من الوسط العربي المسيحي كذلك ولكن مع استثناء جوهري هو أن الرحلة تمثل بالنسبة لنا أهمية لا مثيل لها لعلاقتها المباشرة والأساسية بروسيا الموسكوفية . هذا وقد تم تدوين هذا الأثر في « مركز الثقافة المحلى » الذي كانت تمثله حلب آنذاك والذي تحدثنا كثيرا عن أهميته في هذه القرون المتأخرة ، وفي نفس ذات الوسط المسيحي أيضا الذي لم تكن قد لمسته بعد النهضة الأدبية التي ارتبطت أساسا بالقرن الثامن عشر . وكان وضع السكان الأورثوذكس من وجهة النظر الثقافية أسوأ بكثير من وضع الطوائف المسيحية الأخرى التي كانت على صلة برومة وولت وجهها شطر الغرب . وقد كان بوسع هؤلاء الأخيرين أن يعتمدوا في هذا على تقاليد ضاربة في القدم ومعاونة فعالة سواء في تزويدهم بالمدارس أو تطوير ثقافتهم الأدبية ، بل إن صلتهم برومه ظلت قائمة حتى قبل اتحادهم معها وبدأ يظهر من بينهم منذ القرن السادس عشر علماء وأدباء محليون لم يكن من النادر أن تلقوا تعليمهم برومه نفسها .
أما طبقة الإكليروس الأرثوذكسية فلم يوجد تحت تصرفها مثل هذه الإمكانيات فقد انفصمت