أسئلة ليجيب عليها وتارة يلقيها المؤلف نفسه على صديقه وطورا آخر يكشف أحد معارفه العابرين ، فارسي أو مصرى ، عن معرفته العميقة بمسائل من ميدان الفقه والنحو أو - - يستفسر لدى مؤلفنا عن بعض المسائل المغلقة . ومن النادر ألا تحفزه مناسبة ما حتى ولو كانت قليلة الأهمية إلى الاستطراد ، فهو مثلا ينتهز فرصة ارتدائه لملابس الإحرام فيتحدث بتفصيل واف عن شعائر الحج ؛ ثم يرجع مرة أخرى إلى سرد رحلته ملتجئا في العادة إلى عبارة مألوفة لديه هي « رجعنا إلى ما كنا في صدده من ذكر الرحلة والاجتماع بكل فاضل ورحلة » . وهذه الجملة لا يطرأ عليها تغيير كبير ولكنه ما يكاد يرجع إلى موضوعه الأساسي ، أي سرد الرحلة ، حتى نراه بعد أسطر قليلة يدخل في استطراد جديد على هيئة « فصل » أو « مطلب » . ويوجد في أول المخطوطة ثبت بهذه الاستطرادات كما أن روزن قد أفرد جدولا مفصلا للعناوين الداخلية بحيث نستطيع أن نتبين من بينها عددا من الموضوعات الجغرافية المعروفة لنا والتي تمثل القاعدة الأساسية التي عالج الكلام فيها المؤلفون الجغرافيون لذلك العهد ؛ ففي البداية يوجد قسم عن « فضل حلب » يليه قسم « في مدح دمشق وتغزل الشعراء بها » وفي « خصوصيات دمشق وبناء مسجدها » وفي « حمام دمشق وما اتفق له مع صانعها والأشعار والفوائد الجليلة في الحمام » و « في الرياح » وفي « ذكر أخلاق أهل البلد » و « في علم الهيئة » وفي « الشهور » الخ ، كما يوجد استطراد خاص « في البحث عن السفليات والأقاليم السبعة » . وبهذا فإن الوصف رغما من طابع الأصالة والطرافة الذي يتميز به لا يخلو كما أبصرنا من كمية كبيرة من المادة الجغرافية ، وهو يدخل سمة جديدة في نمط الرحلة من أجل العلم بمحاولته المزج بينه وبين عرض عام لفروع العلوم المختلفة ولو أن ذلك يتم لدبه بصورة بدائية . ولا شك أن مصنف حجيج هذا ومصنفات مواطنيه تثبت بصورة جلية أن نمط الرحلة قد لقى ازدهارا ملحوظا بسوريا الشمالية في ذلك العصر . ليس ذلك فحسب بل ووجدت درجة معينة من التنافس بين المؤلفين أنفسهم . وهذا بدوره يقف دليلا على انتعاش الحياة الأدبية آنذاك ويفسر لنا السبب في أن حاجى خليفة قد بدأ في جمع مادة معجمه الببليوغرافى في القرن السابع عشر بمدينة حلب بالذات .
هذا وقد ذكرنا من قبل أن سكيكر قد التقى في استنبول بأحمد بن داود الحموي الذي تشير قرائن الأحوال إلى أنه أخ لمحب الدين محمد بن داود الحموي الدمشقي ( ولد عام 949 ه - 1542 ) 109 أحد ثلاثة يعدون أكبر علماء أسرة المحبي المشهورة بعلمائها وهو جد المؤرخ المعروف . وأصل صاحبنا من حماة وقد نال قسطه من التعليم بمسقط رأسه وبحمص وحلب ، وتلى هذا قيامه في رحلته الأولى إلى استنبول .
ولدى رجوعه اشتغل بالتدريس بدمشق ثم صحب شيخ الإسلام في زيارته للقدس والقاهرة عام 978 ه - 1571 ، وبهذه المدينة الأخيرة تولى منصب القضاء لبعض الوقت . وأعقب هذا رجوعه إلى دمشق ( حوالي عام 981 ه - 1573 ) ورحلته الثانية إلى استنبول التي شهد فيها اعتلاء السلطان مراد الثالث ( 982 ه -
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 690
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٦٩٠