الهمة لمضارعته وجمع ما يقع لكاتبه في سفره وإقامته فاستفسرت في ذلك مولانا الشهابي أحمد المذكور أعلاه بلغه اللّه في الدارين مناه بمحمد ومن والاه فأجاب بأنه لا ضرر في ذلك بل إن هذا يكون تاريخا وكتابا أديبا فاستخرت اللّه واقتفيت تلك المسالك وسميته زبدة الآثار الخ . . . وها أنا أبتدئ بذكر رحيلى من مدينة حماة المحروسة ورياضها الأنيقة المأنوسة في يوم الأحد سادس عشر ربيع الآخر من شهور سنة ثلاث وسبعين وتسعماية هجرية من هجرة المظلل بالغمام وسيد البرية وإنما أضربت عما تقدم من السنين لأننى لست في ذلك على اليقين فإن قدر اللّه بعد ذلك التأمل فيما مضى تأملته وأثبته - - وإلا نأيت عنه وبقيت على ما ابتدأت به واخترته » 96 .
من هذا يتضح لنا أن كتابه ينتمى إلى طراز معروف هو طراز الرحلة « في طلب العلم » مع اتجاه واضح إلى الترجمة لسيرة حياته
( autobiography )
وذكر لحظات سابقة منها . وبعض ما ذكره في افتتاحية كتابه قد وجد التأييد من جانب المواد الموجودة لدينا بمعهد الدراسات الشرقية ، فالمؤلف بوجه عام كان ذا اهتمام واسع بمختلف فنون الأدب وتوجد من بين المجموعات الأدبية بمعهد الدراسات الشرقية مخطوطة بنسخ يده 97 ، كما عرفت أيضا نسخة بخط يده للترجمة العربية « للشاهنامه » 98 .
أضف إلى هذا أن آثار نشاطه كناسخ للكتب تقايلنا كثيرا ، ففي عام 978 ه - 1570 أهدى إلى صديقه الذي أشرنا إليه قبل قليل وهو أحمد بن الملا مخطوطة من نسخ يده لأحد مؤلفات عالم مصرى مشهور من معاصريهم هو الشعراني وهي محفوظة أيضا بمعهد الدراسات الشرقية 99 ، وفي 981 ه - 1573 استنسخ سيرة تيمور المشهورة لابن عربشاه وهي محفوظة الآن بغوتا 100 ، وجميع هذا يشير بلا شك إلى اتساع أفق نشاطه الأدبي . ولا يخلو من طرافة في هذا الصدد أن نشير عرضا إلى أن رفيق سفرته قد ترك بدوره وصفا للرحلة إلى القسطنطينية لم يصل إلى أيدينا 101 .
ولم يستغرق طريقه إلى حلب أكثر من أربعة أيام فقد وصلها في العشرين من ربيع الثاني عام 973 ه - 14 نوفمبر 1565 ونزل أولا بدار صديقه القديم حجيج الواحدي الذي سنلتقى به بعد قليل كمؤلف رحلة أيضا . ويفصل لنا سكيكر بما فيه الكفاية عن إقامته بحلب وعن مكائد أعدائه ويورد لنا بعضا من خطبه وأشعاره وشذورا من رسائله وألغازه . وبعد هذا شغل منصب الإمام بمسجد العادلية كما اشتغل في نفس الوقت بالتدريس بالمدرسة الأتابكية غير أن دسائس أعدائه نجحت في إقصائه عن هاتين الوظيفتين في أواخر شعبان من عام 975 ه - فبراير 1568 فقرر الذهاب إلى استنبول لرفع مظلمته إلى الأعتاب السنية .
وقد غادر حلب في الثالث والعشرين من شوال عام 975 ه - 21 مارس 1568 سالكا بالتقريب نفس الطريق الذي سلكه الغزي قبله حتى بلغ دار الخلافة في أواخر ذي القعدة ( مايو ) من نفس العام أما بقية الكتاب فقد أفرده بصورة خاصة للكلام على إقامته بالقسطنطينية وهو يقص فيه أخبار الحوادث يوما بعد يوم بالتقريب إلى 13 محرم عام 976 ه - يوليو 1568 . وهذا القسم إلى جانب وصف الرحلة