نفسه يمثل أهمية كبيرة لأنه يحتوى على عدد من التفاصيل الدقيقة مما يساعد كثيرا على تكوين فكرة عن حياة رجال - - العلم في ذلك العصر ، كما يحتوى أيضا على رواياته لمختلف الحوادث التاريخية المعاصرة كارتقاء السلطان سليم الثاني لعرش الخلافة في عام 974 ه - 1566 وهو يروى هذا على لسان أحمد بن داود الحموي 102 الذي التقى به في دار الخلافة ؛ ولعل هذا الأخير كان أخا لأحد الرحالة ممن سيرد بنا الكلام عليهم فيما يلي من هذا الكتاب . وإلى جانب تسجيله للوقائع المختلفة فإن الكتاب كما هو الشأن دائما مع الرحلات « العلمية » يفيض بالأشعار والألغاز والمعميات
( charades )
وغير ذلك من ضروب البديع ، سواء للمؤلف نفسه أو لأصدقائه . وكان المؤلف شخصا ذا جوانب متعددة في نشاطه نذكر من بينها أنه كان شطرنجيا مرموقا في عصره نال الشهرة في الشطرنج لا كلاعب فحسب بل وأيضا كصاحب نظريات وصلتنا عنه رسائل في هذا الفن ، وقد احتل اسمه مكانة رفيعة في تاريخ الشطرنج العام حتى قال عنه أحد كبار المتخصصين في هذا الفن وهو فون درلازا
Vou der Laza
« آخر من يستحق الذكر بين لاعبى » المدرسة القديمة للشطرنج في القرن السادس عشر 103 . ونظرا لأن مخطوطة إحدى رسائله النظرية في الشطرنج كان قد جلبها إلى اكسفورد في القرن السابع عشر المستعرب بوكوك
Pococke
الذي عاش نبعض الوقت بحلب فقد أصبحت معروفة لدى الشطرنجيين الغربيين منذ عهد هيد
Heyd
( 1694 ) 104 ويرد ذكرها على الدوام في المصنفات المفردة لهذا الفن 105 .
وصديقه الذي نزل عليه بحلب وهو حجيج بن قاسم الوحيدى عرف كرحالة أيضا ولكن لا إلى استنبول بل إلى مكة ، فقد أدى فريضة الحج في عام 992 ه - 1584 106 . ووصف رحلته الذي يحمل العنوان المعهود لنا « الرحلة » محفوظ أيضا - - في مخطوطة فريدة بمعهد الدراسات الشرقية ضمن مجموعة روسو الحلبية ووصفها لنا روزن بدقته المعهودة 107 . وهي بوجه عام تنتمى إلى طراز من المؤلفات يختلف عن مصنفى الغزي وسكيكر ؛ ورغما عن أنها أقل أهمية منهما إلا أنها لا تخلو من بعض الأصالة . وقد كان وصفه لرحلة الحج ذريعة لهدفه الأساسي وهو الكلام عن العلوم المعروفة لدى المسلمين وإعطاء فكرة عن معرفته الواسعة بجميع فروعها . وهو يذكر في مقدمة كتابه أنه عزم على أداء فريضة الحج في عام 992 ه على الرغم من أنه قد حج قبل ذلك ، ثم يستمر في قوله :
« ومن عادتي أنى كلما سافرت سفرة أن أضع رحلة أذكر فيها المنازل وما يقع في كل منزلة من النوادر ممن للأدب ينازل بل أذكر ما يقع من العوام ولو كان من مهمل الكلام وأضيف إلى ذلك أشعارا رايقة وحكايات فايقة ونكت لسماعها الأسماع شايقة والأرواح وامقة تشتمل على ألفاظ أرق من النسيم وأحلى من التسنيم وتكون تذكرة لي في حياتي وبعد مماتي » 108 .
أما تفاصيل حجته فإنه يرويها باقتصاب شديد كأنما ترد عرضا ، هذا بينما يدخل في استطرادات مسهبة بصدد الكلام على العلوم متذرعا في هذا بمختلف المناسبات فأحيانا يلقى عليه أحد زملائه في السفر