قد حمل نفس الطابع « العلمي الأدبي » الذي حملته بقية المصنفات الأخرى الشبيهة في ذلك العصر ، ولو أن هذا لا يخرج عن حدود التخمين والافتراض .
ويمكن اعتبار آخر حلقة من الناحية الزمنية في هذه السلسلة من الرحلات السورية التي اتجهت في القرن السادس إلى استنبول مصنف محمد بن أحمد بن حافظ الدين القدسي ( المتوفى عام 1055 ه - 1645 ) 115 الذي اشتغل بالقضاء والتدريس وزار استنبول أكثر من مرة ، وشغل منصب القضاء لا في وطنه القدس وحده بل بدمشق وطرابلس والقاهرة أيضا ثم بالبوسنه وتوفى وهو قاض بصوفيا .
وقد خلف لنا عددا من قصائد المدح التي قالها في حق رعاته باستنبول 116 ، كما ترك لنا أيضا وصفا لرحلة معروف في مخطوطة يتيمة بمكتبة برلين 117 يتحدث فيها عن زياراته للقاهرة والقدس ودمشق ويصف بتفصيل واف رحلته البحرية من القاهرة إلى استنبول في عام 1013 ه - 1604 ؛ وهو كالتمجروتى يهتم بوصف العواصف والأنواء البحرية . ويغلب على وصفه طابع التكلف الشديد فقد صاغه بالسجع الذي ينعكس في عنوان الكتاب نفسه وهو « إسفار الأسفار - - في أبكار الأفكار » ؛ ولا شك أن المؤلف كان شخصا واسع الثقافة خبيرا في الأدب .
وإلى جانب هذه المصنفات الجغرافية ذات الطابع الأدبي نلتقى في هذا العصر ، وباللغة العربية أيضا ، بجميع تلك الأنماط التي تربطها رابطة الرحم بأوصاف الرحلات والتي عرفناها عن نفس ذلك العصر باللغة التركية .
وكما حدث مع المؤلفات التركية المشابهة لها فإن مجرد سرد أسمائها لا يخدم أي غرض لأن هذا من مهمة الفهارس المكتبية والمصنفات الببليوغرافية المنظمة ؛ غير أننا سنكتفى من باب المثال بتقديم أنموذج واحد لها . فقد وضع مصرى لا علم لنا بتفاصيل حياته ويدعى محمد بن أحمد السنهورى ، وذلك في عهد السلطانيين مراد الثالث ( 982 ه . . . 1003 ه . . . 1574 1595 ) ومراد الرابع ( 1032 ه - 1049 ه - 1623 - 1640 ) ، تعدادا لمنازل البريد بين مكة والقاهرة 118 أقرب ما يكون إلى طراز دليل الطريق من أجل الحاج مما مرت بنا أشكاله المختلفة في فصل سابق ؛ وعلى أية حال فإن مصنفه لا يخلو من الفائدة لأن المؤلف قد جهد في تحديد المسافات بين المنازل بدقة كبرى معتمدا في ذلك على طريقة خاصة 119 .
ومما يضفى أهمية على هذا النموذج بالنسبة لنا في صدد آخر هو أنه يؤكد مرة أخرى الصلة الوثيقة التي ربطت الأدب العربي بالأدب التركي في ذلك العصر وأثر القوة المركزية التي اجتذبته إلى عاصمة الخلافة التي احتلت مكان الصدارة بالنسبة للبلاد العربية فلم تدانيها القاهرة نفسها . وفي هذا الصدد لم تلعب اللغة دورا جوهريا ، فقد لاحظنا حالات دوّن فيها مؤلفون عرب مصنفاتهم الجغرافية باللغة التركية ؛ وأكثر من هذا وجد مؤلفون أتراك دونوا مصنفاتهم باللغة العربية . وإذا ما أخذنا في حسابنا أن انتعاش الجغرافيا الملاحية إنما يقع في نفس هذه الفترة للنصف الأول من القرن السادس عشر وأن بعض ممثليها كالمؤلف التركي سيدي على ريس لا يمكن فصلهم عن الأدب العربي ، أضف إلى هذا أن المؤلف المغربي
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 692
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٦٩٢