على الرحالة العرب في القرن السادس عشر . وعدد هؤلاء الرحالة كبير جدا غير أننا نرتطم بصعوبة هائلة إذا ما حاولنا معالجة الحديث عليهم في عرض عام كهذا إذ سنجد أنفسنا مضطرين في هذه الحالة إلى الاعتماد اعتمادا يكاد يكون كاملا على مصادر مخطوطة وذلك لانعدام الطبعات . وإزاء هذا فسنقتصر بالطبع في كلامنا على نقاط معروفة لنا إما عن طريق مباشر أو عن طريق مصادر ثانوية مرتبطة بها .
ويرتبط عدد كبير من رحلات هذا العصر بالدولة العثمانية التي كانت تلعب آنذاك دورا رئيسيا في جميع العالم الإسلامي . وقد حدث أن لاحظنا هذا فيما يتعلق بالمغرب في أحد الفصول السابقة ؛ والآن نلتقى بنفس هذه الظاهرة في سوريا أيضا وهذا أمر جد مفهوم بالنسبة لقرب هذه الولاية من عاصمة الخلافة .
ويمكن القول بأن العدد الغالب من الرحلات التي سنتناول الكلام عليها قد خرج من سوريا بالذات ، غير أن هذه الظاهرة قد شملت في واقع الأمر جميع الأقطار العربية الأخرى . وإذا ما أجلنا النظر جنوبا فسنلتقى في هذا النمط بواحد من معارفنا القدامى بدأ رحتله من مكة وهو قطب الدين النهروالى .
لقد التقينا بهذا المؤلف فيما مر من الكتاب كمتخصص في الطبوغرافيا التاريخية لمكة ومؤرخ للفتح العثماني لليمن الذي حفظ لنا بصدده روايته ذات المغزى الكبير عن دليل فاسكو دى غاما . وهو خير مثال للطبقة المثقفة بمكة في ذلك العهد والعهود التالية له 76 ؛ وأصل والده من كجرات أما الابن فقد ولد بمكة عام 917 ه - 1511 وتوفى بها في عام 990 ه - 1582 وهو يشغل منصب الإفتاء . وقد زار النهروالى استنبول مرتين . ففي المرة الأولى خرج بقصد استكمال دراسته وذلك في عام 943 ه - 1536 فأقام بالقاهرة واستنبول وحظى في غضون هذه الزيارة الأولى - - بمقابلة السلطان سليمان الذي ولاه العناية بالمدارس الأربع 77 التي أنشأها بمكة . أما الزيارة الثانية لاستنبول فقد تمت بعد عشرين عاما من تلك وذلك في سنة 965 ه - 1557 ووصفها في مصنف خاص بعنوان « الفوائد السنية في الرحلة المدنية والرومية » 78 ؛ وهذا المصنف الأخير لم يضح معروفا إلا في الآونة الأخيرة جدا وذلك عقب التعرف على نسخة خطية ببد المؤلف نفسه محفوظة بإحدى مكتبات استنبول 79 . ويرجع تاريخ تأليف الكتاب إلى عام 965 ه - 1557 ويلوح أنه قد دونه عقب الانتهاء من رحلته مباشرة أو ربما فعل ذلك أثناء إقامته بعاصمة الخلافة ؛ ونظرا لأنه قد رفعه إلى أحد الخاصة من أهل استنبول فلعل هذا هو سر بقاء الكتاب في مخطوطة واحدة وعدم وصوله إلى البلاد العربية . وأول من عرّف به كان أحد العلماء الأتراك المعاصرين وهو أكرم كامل وذلك في مقال خاص 80 نوه فيه بأهمية مادته في التعريف بأحوال دار الخلافة في ذلك العصر .
وإلى نفس هذا العلامة التركي يدين العلم بمعرفته بأولى رحلات القرن السادس عشر التي اتجهت من سوريا إلى الدولة العثمانية ؛ ومؤلفها هو بدر الدين محمد الغزي العامري المعروف بعدد كبير من التصانيف على المذهب القديم 81 ، وهو قد أمضى معظم حياته يشتغل بالتدريس في موطنه دمشق وبها توفى عام 984 ه
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 685
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٦٨٥