قريبة من المدينة يحتل المكانة الأولى بينها بالطبع موطن المؤلف وهو ضاحية الصالحية 36 ، والبساتين المحيطة بالمدينة و « غوطة الشام » 37 وقرية الربوة 38 التي عاش فيها كما ذكرنا الدمشقي الكوزموغرافى وقريتا 39 داريّا والمزة 40 . كما امتد محيط اهتمامه إلى البساتين « النيربية » 41 المحيطة بالمدينة والتي يجب عدم الخلط بينها وبين الموضع القريب من حلب والذي اشتهر حاليا في الدوائر العلمية بنقوشه الأرامية . ومن الطبيعي ألا نتوقع في هذه الرسائل الموجزة أية أصالة من حيث المنهج أو الصياغة الأدبية ولكنها تقدم لنا في مقابل ذلك مادة وافرة تربط بينها بطريقة فريدة ؛ وبهذا فقد استطاع ابن طولون أن يدخل روحا جديدة في أدب قديم متواتر فيما يتعلق بالجغرافيا الإقليمية للشام . ولقائمة مصنفاته جانب آخر طريف فهي تمكننا من تثبيت الأنماط والموضوعات الجغرافية التي عالج الكتابة فيها لذلك العصر مؤلف جغرافى عادى لا بحاثة أصيل . ويقابلنا من بينها مثلا وصف لطريق الحج من الشام إلى الحجاز ( « منازل الحج الشامي » ) 42 وعدد من الرسائل من طراز الفضائل المعروف مكرسة للمواضع المقدسة كمكة ( « معالم مكة المشرقة » ) 43 والمدينة ( « معاهد المدينة » ) 44 والقدس ( فضائل بيت المقدس ) 45 ؛ ويوجد من بينها مقال خاص عن مقام إبراهيم المشهور بالكعبة ( « مقام الخليل » ) 46 . وابن طولون يتمم في نقاط معينة سلسلة المؤلفين المعروفين لنا ، فهو كالمقدسى ( الأصغر ) قد كتب في تاريخ تميم الداري 47 ، وهو كالسيوطي قد كتب عن فضائل الأحباش على البيض 48 . وليس واضحا بالنسبة لنا ، نتيجة للخلط في التعليقات ، ما هو - - المقصود بمصنفه الذي يحمل عنوان « لقط المرجان من معجم البلدان » 49 ولكن من المحتمل أنه ملخص لمعجم ياقوت الجغرافي . وبوجه عام فإن مراجعتنا لثبت مصنفات ابن طولون توكد جيدا استنتاجاتنا السابقة في أن الأنماط والموضوعات الجغرافية قد ثبتت بصورة نهائية في ذلك العهد .
وكمعاصرين لابن طولون يقابلنا بالطبع في البلاد الأخرى علماء محليون عالجوا التأليف في الجغرافيا المنطقية لبلادهم . وخير مثال لهذا أحد أبناء الدوحة الهاشمية المدعو محمد بن عبد العزيز بن فهد القرشي الهاشمي ( توفى عام 954 ه - 1547 ) 50 والذي عمل خطيبا بأحد مساجد جدة لأعوام طويلة ثم لقب جار اللّه لإقامته الطويلة بمكة . وعن جدة وضع مصنفه المعروف لنا في بعض المخطوطات تحت عنوان « السلاح والعدة في فضائل بندر جدة » 51 والذي يتبع فيه الطراز المعروف لنا جيدا أي طراز الفضائل ، ولا شك أنه وجد لديه ميل إلى مثل هذا الضرب من الموضوعات في الجغرافيا التاريخية المحلية لأنه عمل في عام 915 ه - 1509 مختصرا لكتاب « تحفة اللطائف في فضائل ابن عباس ووج والطائف » 52 .
وهو قد تناول أحيانا كابن طولون موضوعات تقليدية للغاية من نوع « التحفة اللطيفة في أنباء المسجد الحرام والكعبة الشريفة » 53 ، ولكنه عالج الكتابة بعض الأحايين في موضوعات جغرافية صغرى كرسالته مثلا بعنوان « اختطاف النور مما ورد في جبل ثور » 54 .
إزاء هذا فلا يسعنا إلا الاعتراف بأن الجغرافيا المنطقية كانت حافلة للغاية في ذلك العصر من حيث
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 682
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٦٨٢