إلا أن نوافقه في هذا لأن المقريزي وإن كان مؤرخا واقتصاديا وعالما في الآثار ومتخصصا في الآداب الشعبية
( folklorist )
إلا أن المكانة الأولى في مصنفه هذا إنما تحتلها الجغرافيا التاريخية ، وهذا هو السبب - - الذي حدى بنا إلى إدخاله في عرضنا للأدب الجغرافي بوصفه أكبر ممثل لنمط الخطط ، ذلك النمط الذي يمس الدين كما يمس الطوبوغرافيا والتاريخ والذي تمتع بحيوية فائقة في مصر الإسلامية . وفي خلال القرن السابع عشر اختصر مصنف المقريزي ليس أقل من مرتين وزيد عليه 105 ، بل إننا نلتقى حتى في القرن التاسع عشر بمصنف يسير على منهج المقريزي ويتمم مذهبه أعنى بذلك كتاب « الخطط التوفيقية » لعلى باشا مبارك .
ولم يخل الأمر بين ممثلى المدرسة التاريخية المصرية من معاصري المقريزي من اهتمام معين بالجغرافيا ولو أن ذلك لا يبلغ المدى الذي بلغه لديه . ويمكن أن نسوق على سبيل المثال منافسه في منصب الحسبة بدر الدين العيني ( 762 ه - 855 ه - 1360 - 1451 ) 106 . وفي الحقيقة لا يوجد لدينا الكثير لنقوله عنه فيما يتعلق بالأدب الجغرافي ولكن شخصيته في الواقع لا تخلو من بعض الطرافة لأنها توحى إلينا باقتراب عهد جديد وميلاد علاقات ثقافية جديدة تربط الأدب العربي باستنبول النائية . ولد مؤلفنا بعينتاب وهي مدينة صغيرة تقع بين حلب وأنطاكية ، وقد ساعده قرب مسقط رأسه من الحدود التركية على إجادة هذه اللغة - - منذ سن مبكرة وكان لها بالتالي تأثير غير يسير على مجرى حياته . وقد أقام العيني بالقاهرة ما يقرب من الثلاثين عاما مرت عليه فيها لحظة من التصوف ، واشتغل لبعض الوقت بالتدريس وشغل مرة منصب القضاء ومرة أخرى كان محتسبا وطورا ثالثا ناظرا للأوقاف ؛ وهي مناصب نافسه عليها معاصراه الشهيران المقريزي وابن حجر . وقد أفاد العيني كثيرا من معرفته بالتركية ؛ وهو قد أجاد الكتابة بالعربية والتركية على حد سواء فقربه هذا إلى سلاطنة المماليك الذين كانت معرفتهم بالعربية لا ترتفع إلى المستوى المطلوب وكانوا يفضلون الإنصات إليه وهو يترجم لهم بمهارة إلى التركية تاريخه الذي وضعه آنذاك ، ولو أنه من المستبعد أن يكون بمقدورهم تقدير القصائد العربية التي رفعها إليهم . ولعل معرفته بالتركية كانت من أقوى الأسباب التي أدت إلى تكليفه ذات مرة برئاسة سفارة إلى استنبول .
واكتسب العيني الشهرة كمؤلف لعدد من الآثار التاريخية يشغل مكان الصدارة بينها « عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان » الذي يمثل في جوهره كتابا في التاريخ العام يقع في أربعة أجزاء ضخمة ويعالج تاريخ البشرية منذ بداية الخليقة إلى عام 850 ه - 1446 . والكتاب مبوب على الطريقة التقليدية للمصنفات التاريخية مع عرض متناسق للمادة ولكنه لا يتمتع بأهمية ذات بال سواء من حيث الشكل أو الأسلوب ولو أن مادته الحافلة قد أسترعت الأنظار منذ وقت طويل فأفاد منها كاترمير في بحثه في تاريخ المماليك كما وضح تيزنهاوزن
Tiesenhausen
قيمتها بعد ذلك بالنسبة لتاريخ الأردو الذهبي
Golden Horde