ومما يقف دليلا على أن هذه الحالة حالة استثنائية هو ضخامة حجم كتاب المقريزي والكمية الهائلة من النقول التي ضمنها إياه ، فلو كان قد سار على هذا النهج الذي طبقه على كتاب الكندي مع كل مؤلف آخر لنما كتابه بالتالي فبلغ العشرين جزءا على الأقل .
لا مناص من التسليم بأن بعض أقسام « الخطط » تمثل في بعض الأحايين نقلا صريحا عن مؤلفين أخر ، غير أن هذه المواد المنقولة قد تم التأليف بينها بصورة لا تخلو من المهارة والإبداع ، واستخرجت من عدد هائل من الآثار الأدبية فقد بعضها تماما بالنسبة لنا ، أضف إلى هذا أن المقريزي في العادة لا يهمل الإشارة إلى مؤلفيها . وخير مثال لهذا الفصل القصير الذي أفرده للكلام على أهرامات مصر والذي أخضعه لبحث خاص غريفه
Graefe
، ففيه يشير المقريزي إلى أكثر من عشرين مؤلفا بخلاف من استشهد به من الشعراء 98 ؛ ومن بين أولئك نلتقى بعدد من الجغرافيين ممن حدث وأن تعرفنا عليهم فيما مر من هذا الكتاب ، ولكن إلى جانب هذا نلتقى أيضا بأسماء مؤلفات لم تصل إلينا مثل « أخبار الزمان » للمسعودي أو الكتاب المجهول المؤلف بعنوان « عجائب البنيان » الذي لا يخلو من صلة ما « بوصف مصر » لعبد اللطيف البغدادي المعروف لنا جيدا .
وعدد المصادر التي يذكرها المقريزي هائل حقا ولا شك أن دراستها تحتاج إلى بحث خاص في المستقبل لن يخلو من الأهمية ، وإلى حين تحقيق هذا يمكننا الاعتماد بصورة مؤقتة على الخطوط العريضة التي بينها روثن غست
R . Guest
في مقاله المسهب عن مصادر المقريزي ؛ ويشغل ثبت أسماء المؤلفين والمصنفات التي يشير إليها المقريزي أكثر من خمس عشرة صفحة من هذا المقال 99 . فإذا ما اقتصرنا على محيط المادة الجغرافية ، فإننا نلتقى في قائمة غست بلا أقل من ثلاثين مؤلفا سبق وأن عالجنا الكلام على غالبيتهم العظمى . وإذا ما صنفناهم في مجموعات بحسب العصور فيمكن أن نقرر أن المقريزي قد استعان فيما يخص الفترة الأولى من تاريخ مصر الإسلامية - - بابن عبد الحكم في مجال التاريخ والمسعودي في مجال الجغرافيا والكندي في مجال الطبوغرافيا 100 ، هذا إذا ما قصرنا أنفسنا على ذكر الأسماء الرئيسية . أما فيما يخص العهد الفاطمي فقد كان مرشده في التاريخ ابن زولاق وفي الآثار القضاعي 101 ؛ ولكن حتى فيما يتعلق بنقاط معينة فإن المقريزي عرف كيف يحصل على مواد ذات قيمة كبرى تقتصر معرفتنا بها في أحايين كثيرة على ما حفظه لنا هو منها . وقد نال الشهرة منذ أمد طويل ذلك الفصل الذي أفرده لكنوز الفاطميين 102 بما يتصل به من تفاصيل حول مراسيم البلاط الفاطمي ؛ وقد كتب المستشرق الروسى اينوسترانسف
Inostrantsev
بحثا قيما في هذا الموضوع . ورواية المقريزي في هذا الصدد تعتمد بصورة خاصة على مصنف آخر لم يصل إلينا لابن الطوير القيسراني 103 . ويذكر المقريزي أن آخر من كتب في نمط الخطط هو ابن المتوج المعروف 104 ، وقد حدث وأن توقفنا عند هذا حينما تساءلنا لماذا لم يستعن المقريزي بمصنف ابن دقماق . والمقريزي يفرد فصلا خاصا للكلام على المؤلفين الذين عالجوا الكتابة في الخطط قبله ويؤكد علاقته القوية بهم . ولا نستطيع