تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
الاتهام بالسرقة الأدبية من طرفين مختلفين . أحدهما مؤرخ عربى يكاد يكون من بين معاصري المقريزي ويعبر عن اتهامه بصورة عنيفة ، أما الآخر فهو مستشرق أوروبى معاصر يعد من خيرة المتخصصين في دراسة المقريزي . وأمام هذا فلا محيص لنا من الوقوف بالتفصيل أمام هذه المسألة ذات الأهمية الجوهرية . أما صاحب الاتهام الأول فهو المؤرخ المصري السخاوي ( 831 ه - 902 ه - 1427 - 1497 ) الذي بالإضافة إلى وضعه معجما ضخما في السير ومؤلفات تاريخية أخرى عرف أيضا بمحاولة أصيلة لا تخلو من الفائدة لوضع مقدمة في فن التوريخ عند العرب . وهو يشير في مؤلفاته إلى المقريزي أكثر من مرة ولكن دائما مع ميل لم يفلح في إخفائه بمهارة للتقليل من شأنه ونسبة السرقة إليه . ففي معجمه المذكور يختتم الكلام عن المقريزي بقوله : « وأقام ببلده عاكفا على الاشتغال بالتاريخ حتى اشتهر ذكره وبعد فيه صيته وصارت له فيه جملة تصانيف كالخطط للقاهرة ، وهو مفيد لكونه ظفر بمسودة الأوحدي فأخذها وزادها زوائد غير طائلة » 87 . ويكرر السخاوي هذه التهمة في مصنفه في فن التوريخ الذي أشرنا إليه فيقول . « وكذا جمع خططها المقريزي وهو مفيد . قال لنا شيخنا إنه ظفر به مسودة لجاره الشهاب أحمد بن عبد اللّه بن الحسن الأوحدي ، بل كان بيض بعضه فأخذها وزاد عليه زيادات ونسبها لنفسه » 88 . وأخيرا في ترجمته للأوحدى في نفس ذلك المعجم يرجع السخاوي مرة أخرى إلى هذه التهمة مع إضافة زيادات طريفة فيقول : « وبرع في القرآن والأدب وجمع مجاميع واعتنى بالتاريخ وكان لهجا به وكتب مسودة كبيرة لخطط مصر والقاهرة تعب فيها وأجاد وبيض بعضها فبيضها التقى المقريزي ونسبها لنفسه مع زيادات . . وفي ترجمته في عقود المقريزي - - فوائد واعترف بانتفاعه بمسوداته في الخطط . . . 89 . والملاحظة الأخيرة التي ترد الإشارة فيها إلى معجم السير الذي وضعه المقريزي تخفف كثيرا من حدة التهمة التي وجهها إليه السخاوي إذ من الواضح أن المقريزي لم يحاول إخفاء ما يدين به للأوحدى وبهذا يضحى من العسير أن نبصر أين يقع الاتهام بعدم الأمانة هاهنا . بقيت الشذرتان الأوليان للسخاوي ؛ ولا يتضح منهما هل يحاول السخاوي التعبير عن آرائه الشخصية أم أنه يعتمد على شهادة شيخه الذي يشير إليه . وهو عادة عندما يتحدث عن شيخه فإنما يقصد بذلك ابن حجر العسقلاني ( 773 ه - 852 ه - 1372 - 1449 ) المحدث والمؤرخ الكبير ، معاصر المقريزي وصديقه . وهذا الرأي الذي ينسبه السخاوي إلى ابن حجر لم نعثر عليه في مؤلفات هذا الأخير مع أنه تحدث عن المقريزي مرارا عبر في كل واحدة منها منها عن احترامه وإجلاله له 90 . ومن الواضح أن المقريزي لا يولى حقيقة استعماله للأوحدى أهمية أكبر مما يوليها لاستعماله للمصادر الأخرى ؛ ومما يخفف من حدة اتهام السخاوي اعتبار خاص ذو طابع
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 484 | اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي / صلاح الدين عثمان هاشم / ابغور بابايف