لهذا الغرض : وهو يبدأ بعرض عام لجغرافيا مصر وتاريخ فتحها ويلي هذا قسم السير 116 الذي يمثل من ناحية الحجم الجزء الرئيسي من الكتاب . وفي عرض موجز للغاية تمر أمام أعيننا سير من دخل مصر من الصحابة والتابعين ثم سير الفقهاء والعلماء والأمراء كذلك يرد سرد موجز للقضاة 117 ، والوزراء 118 ، والكتاب 119 ؛ وفقط عقب هذا يبدأ القسم الطوبوغرافى الخاص بالمساجد 120 - - والمدارس والخانقات 121 .
ولا يخلو من بعض الطرافة رغما من مضمونه التاريخي الصرف ، الفصل الذي يفرده للكلام عن « الحوادث الغريبة » 122 من قحط وغلاء ووباء وزلزال . والكتاب يفتقر إلى الترتيب حتى في آخره ، فبعد وصفه للطريق بين مصر ومكة 123 يأتي فصل في خمام الرسائل 124 وعندئذ فقط يبدأ كلامه عن مصر دون التزام لترتيب أو نظام فبعد أن يتحدث عن « لطائف » مصر 125 ينتقل إلى الكلام على النيل 126 وجزيرة الروضة 127 ومواضع متفرقة من القاهرة 128 ؛ وقرب النهاية تغلب المادة الأدبية تماما على العرض فيقدم لنا المؤلف مختارات شعرية في الأنهار والأشجار 129 والزهر 130 والفواكه 131 والخضروات 132 المعروفة بمصر . وليس من العسير أن نبصر من خاتمة الكتاب أنه لا ينتمى بأية حال إلى نمط الخطط ، فهو ينضم من ناحية إلى نمط تواريخ المدن التي تتحول أحيانا إلى مجموعة أدبية في سير مشاهيرها وعلمائها ومن ناحية أخرى إلى المنتخبات الأدبية المقصود بها الإمتاع لا الفائدة . و « حسن المحاضرة » لا يعتبر من كتب السيوطي الجيدة فالعرض فيه يغلب عليه الإيجاز ولا يقدم شيئا جديدا في معظم الأحوال 133 كما وأن قيمته كتاريخ لا يمكن مقارنتها بمصنفات مؤرخين كالمقريزي وابن تغرى بردى . بالطبع لا يخلو الحال من أن يورد لنا السيوطي معلومات قيمة ترتفع إلى عهد سابق ولكن ذلك يحدث في صورة مغايرة وموجزة للغاية ومع خروج واضح على المذهب القديم . وهو يميل في أسلوبه إلى تبسيط المادة بحيث لا يخلو الأمر من حالات يعطى فيها فكرة مخالفة للأصل مما حدا بالمستشرق بيكر
Becker
إلى أن ينصح 134 بالتزام الحيطة والحذر عند استعمال « حسن المحاضرة » حينما ينقل مؤلفه أقوال المؤلفين الآخرين . ومن الملاحظ أن السيوطي عاد إلى معالجة بعض الموضوعات التي مسها في كتابه هذا في صورة رسائل منفصلة فلديه رسالة عن النيل وأخرى عن جزيرة الروضة وثالثة عن الأهرامات 135 ، وهي تتلخص في العادة في إيراد نقول مختارة من ميدانى النثر والشعر لا تمس الجغرافيا إلا بصورة غير مباشرة .
وقد خلف لنا أحد تلامذة السيوطي 136 مصنفا عاما في الجغرافيا يمثل بالنسبة لنا أهمية خاصة لأن مؤلفه أتمه في سبتمبر من عام 922 ه - 1516 ، أي قبل عام من فتح العثمانيين لمصر وبهذا يمكن اعتباره حصيلة لإنتاج ذلك العصر بأجمعه . أما المؤلف فهو محمد بن أحمد بن إياس الحنفي ( 852 ه - حوالي 930 ه - 1448 - 1524 ) 137 الذي عرف عادة في الأوساط العلمية الأوروبية بابن إياس فقط ؛ والاسم يمكن نطقه على طريقتين كلاهما صحيحة فهو إما بكسر الهمزة أو فتحها غير أن النطق الأخير أي بفتح الهمزة أقرب إلى الدارجة ولو أنه من الممكن أن المؤلف نفسه قد فضل استعماله في مخطوطات تاريخه