القرن السابع عشر هو محمود بن محمد العدوي ( توفى عام 1032 ه - 1623 ) وذلك في مصنفه بعنوان « الإشارات في أماكن الزيارات » 5 ، ويمكن القول بقدر كبير من الصحة إن كتاب النعيمي هو الذي تمتع من بين جميع أوصاف دمشق العديدة بأكبر حظ من الشهرة بين الجماهير .
والواقع أن الكتاب لا يقدم لنا شيئا جديدا سواء من ناحية المضمون أو ناحية الشكل عند مقارنته بالعدد الهائل من المصنفات من نفس الطراز التي فحصناها إلى هذه اللحظة ، أضف إلى هذا أن هدفه يبدو لنا واضحا من طبيعة الوضع الذي شغله المؤلفان ، فإذا كان النعيمي بوصفه قاضيا قد اهتم بالموضوعات التي تتعلق بمهنته فإن العلماوى قد شغل في البداية وظيفة مؤذن بالمسجد الأموي ثم خطيبا بإحدى مساجد دمشق ومن ثم فقد مس هذه الموضوعات أمام مستمعيه . لهذا فإن أصل الكتاب وأيضا المسودة المتأخرة كانا يستهدفان الإعلام والدعاية مما لاحظناه من قبل في حالات مماثلة .
وليس ثمة حاجة إلى التوقف بصورة خاصة عند مصادر الكتاب ، فمما لا شك فيه أن كلا من النعيمي والعلماوى كان على معرفة جيدة بآثار السابقين عليهما ؛ وقد رجع النعيمي إلى عدد من المؤلفات معظمها آثار تاريخية 6 ، هذا على حين أنه يلاحظ أن العلماوى قد اعتمد كثيرا على ابن شداد الذي مر بنا ولو أنه لا يشير إليه في كل مرة بفعل ذلك ؛ كما وأنه أفاد أيضا من كتاب ابن خلكان المشهور 7 .
والنعيمي وإن كان من أشهر من كتبوا عن فضائل دمشق إلا أنه لم يكن الأخير من بينهم ، ففي نهاية القرن السادس عشر وبوجه الدقة في عام 1003 ه - 1594 وضع شمس الدين أبو العباس أحمد بن الإمام البصروى كتابا بعنوان معهود لنا هو « تحفة الأنام في فضائل الشام » 8 . - - ورغما من تعدد مخطوطاته فإن معرفتنا به هو أيضا ترجع إلى حد كبير إلى سوفير الذي يرجع إليه 9 وينقل منه 10 . وقد أفاد البصروى بصورة خاصة من مصنف لمؤلف سابق معروف لنا في هذه السلسلة هو أبو البقاء البدري 11 .
لهذا فلعله ليس من قبيل الصدفة المحضة أن وجد المصنفان جنبا إلى جنب في مجموعة حلبية محفوظة لدينا بمعهد الدراسات الشرقية وأن نسخهما تم في عام 1060 ه - 1650 و 1061 ه - 1650 على يد نساخ يدعى درويش محمد بن حسين البوسنوى 12 ؛ ويتضح من اسم الخطاط نفسه على أنه من البوسنة وهذا يقف دليلا على العلاقة الوثيقة التي ربطت بين الأدبين الجغرافي العربي والتركي في العصر الذي ندرسه .
ومن بين جميع هذا العدد الهائل للمؤلفين ومصنفاتهم ، والذين يجب أن نشير إلى أنهم كانوا عاديين للغاية ، يكاد يكون أكثرهم أصالة دون منازع في ميدان الجغرافيا الإقليمية أحد مواطنى دمشق وهو محمد بن علي بن طولون ( توفى في عام 953 ه - 1546 ) 13 الذي ينحدر من صلب الطولونيين من فرع خماروبه 14 . وهو وإن كان دمشقيا أصيلا إلا أن والدته رومية وكانت تجيد الكلام بلغتها الأصلية 15 ؛ وباستثناء سنى الدراسة التي أمضاها بالقاهرة فهو قد ظل طول حياته مقيما بمسقط رأسه دمشق . ولا يوجد سبب يدعو إلى ضمه إلى زمرة الجغرافيين فقد كان مؤرخا في جميع فروع العلوم
( polyhistor )