تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
جانبا كبيرا من المادة التي حفظها لنا كان في حكم المفقود لولا نقله إياه ؛ وهو في العادة دقيق في سرد مادته ويجهد ما أمكن في نقلها عن الشخصيات المعاصرة للحوادث ، أما أسلوبه فيمتاز بالبساطة والوضوح وبأنه مقبول للنفس ، كما يتحاشى الإسهاب والعاطفية في كتابته 81 . أما من حيث المنهج فإن الكتاب أشبه ما يكون بمجموعة من المقالات المتفرقة منه بمصنف متماسك ، وفيه يختلط التاريخ بعلم الآثار
( archaeology )
بحيث لا يمكن أحيانا كما يقول غست معرفة ما إذا كان الكتاب مؤلفا في التاريخ أم مصنفا في الطبوغرافيا . وكما هو الحال مع معظم المؤلفين العرب فإن روح النقد ضعيفة لديه كما يفتقر افتقارا بينا إلى الإحساس بالتناسق فهو يولى اهتمامه أحيانا بنسب متعادلة إلى الكلام على الهرم الأكبر ومقبرة صغيرة . وعندما تتناقض مصادره في روايتها فإنه يترك الحكم للقارئ ، أما رواياته فإنه في كثير من الأحيان لم يمحصها بما فيه الكفاية بحيث تمثل في مجموعها مواد في تاريخ مصر وطوبوغرافيا مدينة القاهرة وليس تاريخا أو طوبوغرافيا في حد ذاتها 82 . ورغما من كل هذا فيجب أن نعترف له ببعض الأصالة ، وقد أبصرنا من خلال مقدمته أنه يطرح المنهج الزمنى
( chronological )
التقليدى تفاديا للخلط في التواريخ ، ويوزع مادته بحسب « الخطط » والآثار المختلفة متبعا في ذلك منطقا قائما بذاته . ولا يمكن أن نحرمه من قدر معين من حب الاستطلاع فهو يبدي أحيانا اهتماما غريبا بمسائل شتى من بينها مسائل جيولوجيه 83 فيعتقد مثلا النيل كان يغطى جميع أرض مصر في الأزمنة الغابرة وأن أهليها قبل إنشاء مدينة ممفيس كانوا يعيشون داخل الكهوف . والمقريزي يمتاز بمنهج واسع في معالجته لتاريخ الشعوب التي قطنت مصر ، ولم يحدث أن جمع مؤرخ إسلامي قبله مادة مسهبة كالتي جمعها القزويني عن القبط الذين يفرد لهم ثمانية فصول في الجزء الثالث من كتابه . وهو يعالج في هذه الفصول أيضا تاريخ الكنيسة القبطية منذ أول بطريرك إلى حملة الاضطهاد التي تعرضوا لها في عام 1354 ويورد تعداد ستة وثمانين ديرا قبطيا واثنتين وسبعين كنيسة مسيحية مع سرد معلومات تاريخية وجغرافية وافرة عنها 84 . وحتى في هذا الصدد تنعكس بجلاء شخصيته الفريدة فهو عندما يتحدث مثلا عن عيد الشهداء الذين يربط القبط بينهم وبين فيضان النيل لا يستطيع أن يمنع نفسه من قدر معين من التهكم « جدير » كما يقول كارا دافو
Carra da Vaux
« بأفضل مؤلفي عصر النهضة الإيطالية » 85 . ولا يخلو من الطرافة أن نذكر أن المقريزي قد رجع في صياغة هذا القسم من كتابه ليس فقط إلى كتاب معروف لنا جيدا هو « كتاب الديارات » للشابشتى بل وأيضا إلى مؤلفات مؤرخ عربى مسيحي هو المكين . لكل هذه الاعتبارات فقد اتفق الجميع بما لا يدع مجالا للتنازع على أن كتاب المقريزي كتاب - - قيم جدا بالنسبة للمادة للتي يحويها بين دفتيه . وقد استطاع المقريزي الرجوع إلى جميع المصادر السابقة له والتي هلك أكثر من ثلاثة أرباعها بالنسبة لنا ؛ وهو في العادة ينقل منها بدقة 86 ولكن في حدود المنهج الذي سار عليه المؤلفون العرب عامة . غير أننا إذا فحصنا هذه المسألة عن كتب فسنصطدم بصورة جدية بمشكلة عويصة تتعلق بأمانة المقريزي في استعماله لمصادره ؛ إذ يقع عليه عبء