تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
ويجدر بنا كما حدث في حالة سابقة مماثلة أن نكتفي بعرض بعض النماذج إما لأنها معروفة بصورة أفضل لدى الدوائر العلمية أو لأنها تنفرد لسبب ما بصفات تميزها عن غيرها . ومن أكثر هذه الأوصاف تفصيلا كتاب « مناسك الحج » لمحمد أديب الذي يرجع إلى عام 1193 ه - 1779 ، وهو معروف في طبعة استنبولية قديمة ترجع إلى عام 1232 ه - 1816 - 1817 وفي ترجمة فرنسية غير كاملة بقلم بيانكى
Bianchi
( 1825 ) 245 . هذا الكتاب يتميز على بقية أوصاف الحج بأنه لا يقنع بوصف طقوس الحج التي تتكرر إلى ما لا نهاية مع تغيرات طفيفة في عدد لا يحصى من المؤلفات بل يفضل الكلام في وصف الرحلة نفسها وبذا يصلح كمرشد لمن يريدون زيارة بيت اللّه مبينا لهم جميع معالم الطريق خاصة تلك التي ترتبط بتاريخ السيرة النبوية 246 ؛ ويمكن أن نتبين أحيانا تأثير المصادر الأدبية في هذا الكتاب فقد ثبت أنه يعتمد في بعض أقسامه على « جهاننما » 247 . وأكثر من هذا نلتقى بين مجموعات المخطوطة الحافلة بما يسمى « بوصف طريق الحج » الذي يكتفى بسرد جاف لمنازل الطريق 248 ؛ وهذه الأوصاف لا تخلو في ذاتها من بعض الأهمية أحيانا بالنسبة لطبوغرافيا وتاريخ بعض المواضع التي يرد ذكرها فيه ، غير أن الوصف يتكرر على الدوام في هذه الكتيبات المختلفة ولا يعتريه أدنى تغير ملحوظ . ولما كان العرض تغلب عليه العجلة وعدم الاكتراث فإن الأخطاء كثيرا ما تجد طريقها إليه كما تجد طريقها إليه فوق ذلك النقول والاقتباسات من المؤلفين السابقين 249 . ويمكن أن نميز من بين هذه الأوصاف مجموعة خاصة ذات أهداف أدبية ، أي تلك التي تهدف بجانب أغراض الإفادة والتعليم تقديم وصف ذي طابع أدبى ؛ وخير مثال لهذا مؤلف أصله من أورفا ( الرها ) ولكنه عاش طويلا بحلب ثم شغل فيما بعد منصبا كبيرا بالعاصمة استنبول واسمه يوسف نابى توفى عام 1124 ه - 1712 ) 250 ؛ وله عدد من المصنفات التاريخية المكتوبة بأسلوب معنى به يجمع بين النثر والشعر ، كما أن له أيضا ملحمة تهديبية نالت رواجا كبيرا كان قد وضعها من أجل ابنه وصاغها في وزن شعري معقد 251 . وجميع هذه المصنفات قد كسبت في عصره وفي العصور التالية شهرة واسعة حتى أصبحت أنموذجا أدبيا يحتذى وجعلت المؤلف يفوز بلقب « ملك الشعراء » . وفي أسلوب مصنوع أيضا صاغ وصف رحلته إلى الحجاز في عام 1089 ه - 1678 الذي يحمل عنوان « تحفة الحرمين » ، وقد بدأها من اسكدار مارا بقونيه وأورفا وحلب ودمشق والقدس ، وأتم تدوينها حوالي عام 1093 ه - 1682 وطبعت باستنبول عام 1256 ه - 1849 . أما مضمونها الذي تمت صياغته في أسلوب رشيق فإنه كما يقول تيشنر غير مستساغ بالنسبة لنا 252 ، ويصدق هذا بشكل أكبر على الأوصاف الأخرى التي صيغت نظما والتي يمكن القول بأن معظمها لا قيمة له بالنسبة للأبحاث الطبوغرافية والجغرافية بوجه عام 253 . ويمكن لأوصاف السفارات « سفارتنامه » المختلفة أن تنافس من حيث الكم أوصاف الحج إذ لم