يجب ألا يخفى عن ناظرنا جوانب أخرى جديدة في أدب ذلك العصر لا يمكن القول بأنها كانت فقيرة في مادتها .
وبالطبع فإنه لم تظهر أنماط جديدة لم تكن معروفة لنا من قبل ، كما أن الأنماط السابقة قد تباورت واكتسب بعضها أهمية خاصة بل ورواجا خاصا في بعض الأحايين . فإلى عهود قريبة جدا ظلت تظهر الأوصاف الطبوغرافية والمنطقية
( regional )
وفقا للمنهج القديم في مختلف بلاد الدولة العثمانية ، إلا أن النمط الذي اكتسب الرواج والذيوع لدى القراء كان نمط الرحلة في أشكاله المتعددة . فإلى جانب الترجمات
( translations )
التي ربما كان مبعثها دوافع شخصية ، والرحلات التي اتجه معظمها إلى الشرق ، اتسعت بشكل ملحوظ حلقة الحجيج الذي كان يخرج من مختلف بلدان الدولة وانعكس ذلك في مختلف الصور الأدبية . كما نما بصورة خاصة طراز ما يسمى « سفارتنامه » وهي أوصاف للسفارات التي بعث بها الباب العالي إلى الحكومات الأجنبية . هذا وقد تمخض النشاط الدبلوماسى للدولة العثمانية في ذلك العهد عن قيام علاقات قوية مع عدد كبير من الدول في الشرق والغرب ، غير أن ما دون من آثار في هذا الصدد يمس بصورة خاصة دول أوروبا التي كانت تمثل بالنسبة للأتراك طرافة الشئ الجديد .
وبفضل نمط « سفارتنامه » هذا الذي ظل يصدر في سلسلة لا تنقطع وفي أشكال متنوعة فإنه قد وجدت تحت تصرفنا أوصاف متعددة لبلدان مختلفة يمثل بعضها أهمية خاصة كبولندا وروسيا . أما أدب الترجمة ، أعنى ترجمة الآثار الجغرافية الأوروبية وصياغتها بصورة تلائم عقلية القارئ التركي فقد أخذ ينمو بصورة ملحوظة في القرن الثامن عشر 239 بحيث يستطيع كل نمط من الأنماط المعروفة لنا أن يقدم في هذا الصدد نماذج جديرة بالاهتمام .
وفي محيط الطبوغرافيا ( أي تخطيط المدن ) والجغرافيا التاريخية بوجه عام فإن المكانة الأولى يحتلها بالنسبة لنا أثر لا يزال محتفظا بكل قيمته كمدخل عام إلى أيامنا هذه وهو « حديقة الجوامع » لحسين بن إسماعيل الإيوانسرائى ( توفى عام 1201 ه - 1786 ) ، والذي ولد بضاحية من ضواحى القسطنطينية ومنها أخذ نسبته 240 . وهو يقدم لنا في مصنفه هذا وصفا لكل « الجوامع » و « المساجد » - - و « المعابد » وزوايا الدراويش والمدارس وتكايا المساكين والمستشفيات والمقابر المشهورة سواء كانت باستنبول أو بالنواحى القريبة منها ، ذاكرا في الوقت نفسه أسماء وأخبار مؤسسيها وبناتها . وهو يعدد هذه المنشآت وفق حروف المعجم مع تواريخ بنائها إلى عام 1193 ه - 1770 ، وقد يصل بذلك في بعض المواضع إلى عام 1195 ه - 1772 وهو العام الذي انتهى فيه من تدوين كتابه إذا استندنا في ذلك على خاتمة الكتاب . هذا المصنف الذي يرتفع إلى نمط « الخطط » القديم والمعروف لنا جيدا يمثل أهمية لا نظير لها بالنسبة لتاريخ المعمار والفن بوجه عام خاصة وأن عددا كبيرا من المباني التي وصفها قد اندرس فيما بعد ، كما أن المادة التي يضمها بين دفتيه من مجالي التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لا تقل أهمية عن ذلك ؛ وفوق هذا فهو كتاب موثوق به فيما يتعلق بجميع مسائل الجغرافيا التاريخية 241 . وقد قدر الأتراك