تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
مصر 75 ، وكبحثه القصير في علم الجغرافيا الذي جعله بمثابة مدخل إلى الطوبوغرافيا التاريخية 76 والذي يتبع فيه المنهج القديم المعروف - - لنا جيدا أولا يكشف عن أية أصالة . ورغما من التزامه للتواضع كما هي شيمة المؤلفين المسلمين فإن للمقريزي فكرة عالية عن كتابه . وفي الواقع أن قيمة المادة التي جمعها بين دفتي هذا السفر قد نالت تقدير العلماء الأوروبيين الذين اتخذوا في مقابل هذا موقفا صارما من منهجه . وفي عام 1856 كتب واحد من خيرة العارفين بالمقريزى وهو المستشرق الفرنسي كاترمير
Qualremere
، وذلك بمناسبة ظهور الطبعة الأولى
( editio Princeps )
« للخطط » في عام 1270 ه - 1853 ، يقول إن المقريزي قد جعل هدفه التعريف تعريفا مفصلا بكل ما يتصل بمسقط رأسه القاهرة وأنه قد حقق هذا الهدف فلم يترك أثرا أو مؤسسة إلا ووصفه بدقة متناهية وحكى بإسهاب تاريخ بنائه والتوسيعات التي زيدت عليه ، وإلى جانب هذا يروى سيرا حياة الأمراء والكبراء الذين باشروا بناءه أو أقاموا فيه كما يدون أيضا الحوادث الهامة التي اقترنت بهذه الدور والتقاليد والعادات والمراسم المتعلقة بها في صورة أو أخرى . وقد بين بحق كل من كاترمير والعلامة المعاصر مرجليوث
Margoliouth
أنه لا توجد مدينة شرقية يمكن أن تفخر بمؤلف يبلغ مرتبة كتاب « الخطط » من حيث الاكتمال والطرافة كما هو الحال مع القاهرة 77 ؛ غير أن كاترمير يستدرك على هذا بقوله إن وصف المقريزي لمصر كان بمثابة مقدمة لوصفه للقاهرة وأن المدن الأخرى لا تتمتع بمادة قيمة كالتي أفردها لمسقط رأسه . وكثيرا ما يبدو وصفه جافا ويعكس مادة أسطورية صرفة ؛ حقا إنه يورد مادة حافلة عن العصور القديمة ولكن معظمها من نسج الخيال 78 وترجع كما رأينا من مثال ابن وصيف شاه لا إلى مصادر عربية بل إلى ذلك التاريخ الأسطورى الذي عرف في الأوساط القبطية بمصر ونما وترعرع في تربة « شعوبية » على ما يبدو . وعندما أخذ المستشرق غست على عاتقه في أواخر القرن التاسع عشر فحص مسألة مصادر « الخطط » اضطر إلى موافقة كاترمير في رأيه مع بعض التحفظات ؛ وهو يعتقد أن نصيب الكوزموغرافيا والجغرافيا لدى المقريزي لا قيمة له وأن مادته في التاريخ القديم أسطورية بأكملها . أما أكثر الأقسام قيمة في الجزء الأول فهو وصف نظام الضرائب وجميع القسم الخاص بالفاطميين ؛ ويمكن أن يعتبر كلاسيكيا وصفه لخطط القاهرة ولآثار الفسطاط 79 . ويجب أن نستدرك بهذه المناسبة أن مدينة الفسطاط التي درست آثارها بسرعة في عهد المقريزي لم تحظ منه سوى بوصف موجز ناقص ، كما وأن وصفه لحوادث عصره يسوده خلط شديد ويهمل فيه ذكر تفاصيل هامة ؛ وأحد عيوبه الخطيرة هو إشارته إلى الجهات بصورة مشوشة تجعل من تحديد مواقع الأماكن بشكل دقيق أمرا عسيرا - - بل وضربا من المستحيل أحيانا 80 . ورغما من جميع هذه التحفظات فيجب موافقة هؤلاء العلماء في أن اجتهاد المقريزي ومعرفته الواسعة شئ مذهل حقا ، كما أن