فإني أرجو أن أكون وللّه الحمد غير منهم ولا ظنين ، وقد قلت في هذه الرؤوس الثمانية ما فيه مقنع وكفاية ولم يبق إلا أن أشرع فيما قصدت به وعزمي أن أجعل الكلام في كل خط من الأخطاط وفي كل أثر من الآثار على حدة ليكون العلم بما يشتمل عليه من الأخبار أجمع وأكثر فائدة وأسهل تناولا واللّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم وفوق كل ذي علم عليم » 66 .
وإذا ما تركنا جانبا العبارات البلاغية المتناثرة في هذه المقدمة فإن المؤلف يوضح بجلاء كاف موقفه من فن التاريخ وآراءه الشخصية حول مصنفه والأهداف التي وضعها نصب عينيه ، - - ثم مضمون الكتاب .
وبهذا يوفر علينا الكلام على هذه النقاط بحيث نقتصر على إيراد زيادات طفيفة ونركز بهذا اهتمامنا على سؤال أساسي هو إلى أي درجة وفق المقريزي في تحقيق أهدافه ، وهل يوجد لديه اختلاف كبير بين النظرية والتطبيق كما حدث وأن لاحظنا ذلك لدى مفكر ممتاز كابن خلدون ؟
والمقريزي لا يذكر في مقدمته شيئا عن تاريخ تدوينه للكتاب ولكن نستطيع أن نستنتج من خلال فصوله أن ذلك أخذ وقتا طويلا وأن المؤلف لم يتوقف عن الإضافة إليه على ممر الزمن . وتشير الدلائل على أن البدء في تدوين المصنف قد حدث بين عامي 820 ه - 1417 و 825 ه - 1422 67 ، أما نهايته فيجعلها غست
Guest
عام 840 ه - 1436 68 ، ولكن كما بين محمد عبد اللّه عنان فإن المقريزي ظل يضيف إلى كتابه إلى عام 843 ه - 1439 69 أي إلى ما قبل وفاته بنحو عامين .
ومحتويات الكتاب خاصة قرب نهايته تختلف بعض الشئ عن خطة المؤلف الأولى كما فصل الكلام عليها في المقدمة 70 ، فهناك يذكر المقريزي أنه رتبه على سبعة أجزاء ولكننا نبصر في الواقع أن الجزء السادس الذي أفرده للكلام عن القلعة يتداخل في الجزء الخامس الذي يعالج فيه الأحداث المعاصرة له ؛ ويلي هذا قسم ليس بالكبير يتحدث فيه عن الأيوبيين والمماليك 71 ثم يفصل فيه الكلام على تاريخ المساجد والمنشآت الأخرى بمدينة القاهرة 72 وكأنه بمثابة تتمة للجزء الخامس . ثم يختتم الكتاب بفصول في تاريخ اليهود والقبط مع تعداد الأديرة وكنائس هؤلاء الأخيرين 73 . وإذا كان ترتيب الجزئين الخامس والسادس في صلب الكتاب يختلف بعض الشئ عما وعد به المؤلف في المقدمة فإن الجزء السابع الذي يشير إليه هناك والذي وعد بأن يعالج فيه أسباب « خراب إقليم مصر » لا وجود له البتة مع أن المؤلف قد مس هذا الموضوع في مواطن كثيرة من كتابه 74 وتناوله من وقت لآخر في شذور موجزة ومن ثم فيجب الافتراض بأن هذا الجزء إما أنه لم يكتبه إطلاقا أو فضل عدم ضمه إلى مصنفه . ومهما يكن من شئ فإن هذا يقف دليلا على أن المقريزي لم ينقح مقدمة كتابه بصورة نهائية ، كما يجب أن نضيف إلى هذا أن المقريزي لم ير من الضروري أن يشير في المقدمة إلى بعض الأقسام الصغرى من كتابه مثل ذلك العرض القصير الذي يلي المقدمة مباشرة والذي يعالج فيه الكلام على من سبقوه في ميدان التأليف في خطط