تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
ووصفه للطرق بوجه عام يؤكد وجهة النظر الغالبة والتي مؤداها أن أوليا چلبى لم يعمد إلى الخداع بل إن روايته توحى بالثقة منذ اللحظة الأولى 187 . وإذا حدث أن وقف القارئ موقف الحذر من مادته فإن هذا لا يمس سوى ناحية تناوله لمصادره وموقفه ممن زودوه بالمعلومات . ففكرته مثلا عن روافد دجلة ليست سوى هراء وهي غير جديرة بالثقة لدى مقارنتها بمادة حاجى خليفة التي تنم عن معرفة جيدة بهذا الموضوع 188 ؛ وعلى الرغم من هذا فلا ينبغي أن تغطي عيوبه على محاسنه لأنه كان شاهد عيان لكثير مما وصفه ولو أن لديه بلا شك نقاطا عديدة اتبع فيها مصادر غير جديرة بالثقة وهو عندما يقف عند حد تدوين ما شاهده بعيني رأسه فإنه يستحق ثقتنا إلى درجة كبيرة على الرغم من أخطائه ومبالغاته 189 ، أما حين يتبع رواية الآخرين فإنه يتردى بسهولة في الخطأ نتيجة لسرعة تصديقه ولو أنه يجب ألا يدان في صرامة على هذا الموقف 190 . وأوليا چلبى يتمتع بدرجة كبيرة من حب الاستطلاع ، مثال ذلك أنه أولى اهتماما خاصا للآثار « الكلدانية » القديمة بالعراق وآسيا الصغرى ، وهي نفس تلك الآثار التي أخذت تلعب دورا هاما في العلم الأوربى في القرن العشرين 191 ؛ ولقد أثارت عجبه أكثر من مرة هذه الآثار المنحوتة في الصخور كما أثارت من بعد عجب الرحالة في العصور التالية 192 ، كذلك اجتذبت اهتمامه الأبنية ذات السراديب التي تكثر في تلك النواحي 193 . ولا شك أن المسافر الذي جال كثيرا في تلك البقاع سيدهش لدقته الكبرى في وصف الجسور التي مر عليها أو التي وردت في روايته 194 بحيث يتضاءل أمام وصفه لها وصفه للخانات ( الفنادق ) التي نزل بها 195 . وتمكن الصلة الحقيقية بين ابن بطوطة وأوليا چلبى بصورة قوية في أن كليهما يجعل الآدميين محور اهتمامه . ورحالتنا يولى اهتماما شديدا لتفصيل الكلام على الأوضاع السياسية في البلاد التي زارها - - ويقدم نماذج للغاتها ولهجاتها ، الأمر الذي لا يتوفر لدى معظم الرحالة . ومما لا شك فيه أنه لا يفتقر إلى المقدرة على وصف أخلاق وعادات الجماعات التي مر عليها ، زد على ذلك أن مادة ضخمة ذات طابع حضارى وتاريخي قد تناثرت خلال صفحات كتابه الضخم . ولكن مما يؤسف له حقا أنه قد استقى معلوماته في هذا الصدد من شتى ألوان الخرافات التي اعتقد في صحتها بمنتهى السهولة ولو أنه لم يتخل أبدا عن مقدرته في الملاحظة . وهو كثيرا ما يعالج خلال كلامه على المدن الكبرى الحديث على الأطعمة وعلى حرف الأهالي ، ويصف ذلك في العادة في خطوط حية ومعبرة تقدم لنا لوحة واضحة متعددة الجوانب والألوان لحياة السكان المحليين . وكما هو أمر طبيعي بالنسبة لشخص من وسطه وعصره فإن أوليا چلبى يولى اهتماما خاصا للكلام على الدين وطقوس العبادة في الأماكن التي زارها . وفي كلامه على القرى فإنه يلاحظ دائما بالكثير من الدقة أحوال سكانها وما إذا كانوا مسلمين أم نصارى أم من الأرمن 196 ، كما أنه في وصفه للمدن يقف
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 644 | اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي / صلاح الدين عثمان هاشم / ابغور بابايف