تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 641

مساهمون:

ص٦٤١
« لقد كان أوليا چلبى كاتبا خصب الخيال مع جنوح واضح إلى الغريب وإلى المخاطر ؛ وهو يفضل الأسطورة على الوقائع التاريخية الجافة ويلذ له الدخول في المبالغات بحيث يبلغ في ذلك حد الاسلاف ؛ فإذا ما وضعنا في حسابنا هذه النقائص فإنه يجب الاعتراف من جهة أخرى بأن كتابه ذخيرة لا تنفذ في جميع ما يمس الحياة الاجتماعية - - والأدب الشعبي والجغرافيا وأنه يعرض كل هذا في أسلوب يمتاز بالبساطة والحيوية معا » 170 . أما بارتولد مع ما عهد فيه من صراحة فإنه لم يستطع إلا أن يوفيه حقه حين قال : « ومن الآثار ذات الأصالة التي دونت باللغة التركية وصف رحلة أوليا چلبى الذي يفوق كثيرا آثار الجغرافيا العربية الكلاسيكية في غزارة مادته ( الجغرافية والاثنوغرافية واللغوية ) على الرغم من أنه قد أعمل فيه خياله بصورة كبيرة » 171 . وقد كرر بارتولد هذا الحكم على أوليا چلبى بإيجاز في كتابه « الحضارة الإسلامية »
Kul ? tura Musulmanstva
فقال : « أوليا چلبى الذي يفوق من حيث وفرة المادة وغزارة المعلومات مصنفات خيرة الجغرافيين العرب ، على الرغم من جنوحه الواضح إلى الخيال » 172 . وإلى مدرسة الجغرافيين العرب يجب أن نضم اسم أوليا چلبى ، فمصنفه الفذ الذي يقف نسيج وحده ينتمى بأجمعه إلى المذهب الإسلامي القديم ولا يكشف عن أية معرفة بالأفكار الجغرافية الأوروبية 173 ، وهو في هذا يقف على طرف نقيض مع معاصره الذي يكبره سنا حاجى خليفة . ومما لا ريب فيه أن أوليا چلبى الذي كان يزهو من وقت لآخر بما ناله من معرفة واسعة قد وجد تحت تصرفه مصادر شرقية من جميع الألوان ، بيد أن وصف رحلته يعتمد أساسا على ملاحظاته الشخصية الدقيقة كرحّالة يتميز بذهن صاف ودرجة عالية من حب الاستطلاع . ومن الطبيعي أنه أخذ بعض وصف الرحلة من مصادر أخرى ، ويصدق هذا مثلا بصورة خاصة على الإحصائيات والمداخل التاريخية التي ضمنها بعض فصول كتابه . وكثير من الحكايات التي يروبها عن كرامات الأولياء والصالحين ، وهو أمر أحس على الدوام بميل شديد نحوه ، قد أخذه عن مختلف كتب « المناقب » و « الزيارات » كما أن بعض معطياته التاريخية التي ترجع إلى عهود مبكرة قد نقلها عن « تواريخ آل عثمان » 174 . وليس من اليسير الجزم بأنه قد استعار مادته بطريق مباشر عندما يعالج الكلام على المسائل التي تمس الجغرافيا المحلية والمنطقية بصفة خاصة ، ولو أن هذا لا ينفى من جهة أخرى أن ما دونه في هذا المجال ربما كان صدى لقراءاته في الماضي لمؤلفين جغرافيين أو لحصوله على معلومات ذات طابع جغرافى . وقد أثبت تيشنر بما لا يدع مجالا للشك أن أوليا چلبى لم يكن على معرفة « بجهاننما » لمعاصره حاجى خليفة الذي يكبره في السن ، ولكنه في مقابل هذا عرف عن كتب « مناظر العوالم » لمحمد عاشق الذي كان أقرب إليه في روحه . وتنعكس معرفته بهذا الأخير في أنه عرف جيدا نظام توزيعه الجغرافي للأقاليم إلى أقاليم بطلميوسية « أقاليم حقيقية » من جهة ، - - وإلى أقاليم وفق منهج أبى الفدا « أقاليم عرفية » ، أي
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 641 | اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي / صلاح الدين عثمان هاشم / ابغور بابايف