مناطق جغرافية
( geographlcal reGions )
، من جهة أخرى 175 . ولعل معرفته بالجغرافيين العرب والفرس التي تنعكس في بعض صفحات كتابه قد جاءته عن طريق « مناظر العوالم » المذكور ؛ وتكثر هذه المعلومات بوجه خاص عندما يعالج الكلام على المناطق الإسلامية القديمة مثل العراق 176 التي يقدم لنا مجموعة وافرة من المعطيات عن تاريخها القديم . أما ذكر المصادر الغربية لديه فإنه عند المقارنة بالمصادر الشرقية إنما يأتي عرضا ولا يلعب دورا ذا أهمية سواء من حيث الكم أو من حيث مكانة المصدر نفسه ، ولا يتجاوز ذلك « أطلس مينور »
Atlas Minor
( الأطلس الصغير ) الذي قد عرفه بلا شك عن طريق مسودة حاجى خليفة ، ثم خارطة للعالم
Mappa Mundi
يحيط بها الشك ويبدو أنها ذات طابع عام يجعل من العسير التثبت من أصلها 177 .
من كل هذا يتضح لنا أن المصادر المكتوبة لا تلعب دورا كبيرا في مصنف أوليا چلبى وأن وصفه للموضوعات الجغرافية في جميع الأقطار التي زارها إنما يعتمد في معظم الأحوال على ملاحظاته الشخصية المباشرة . ولهذا فإن مادته تتميز بالأصالة والشخصية أكثر من مادة محمد عاشق وحاجى خليفة وتعد مصدرا قائما بذاته فيما يتعلق بالأقطار والشعوب التي تناول الكلام عليها هؤلاء المؤلفون الثلاثة . ومع ذلك فإنه يجب الاحتراز من الإفراط في الثقة بروايته ، خاصة وأنه ليس من عادة أوليا چلبى أن يشير إلى المصادر التي قد يحدث أن تتسرب إلى المتن في بعض الأحايين دون أن يلتفت القارئ إلى ذلك . كما يجب أن نضيف إلى هذا أن المؤلف لا يخلو من بعض العجب بنفسه ومن الميل إلى المبالغة ، وأسوأ من ذلك أنه يعمد أحيانا إلى العبث بالحقائق ومن ثم فليس غريبا أن تجد طريقها إلى الكتاب بعض الأخطاء وبعض الأحكام المتعسفة . لهذا كله فإن دراسة المصنف والإفادة منه في البحث العلمي يحتاج دائما إلى اعمال التحفظ وبذل العناية الشديدة ؛ ولا شك في أن النتائج التي يمكن الحصول عليها بعد ذلك ستكون ذات قيمة كبرى بالنسبة للباحث 178 . وكما هو الشأن مع العلماء الذين أوردنا رأيهم في أوليا چلبى فإن تيشنر بدوره لم يتنكب الصواب حينما عد أوليا چلبى جغرافيا كبيرا بل وبوأه مركز الصدارة في الجغرافيا الوصفية بين الأتراك العثمانيين . وإذا كان محمد عاشق قد اختتم المذهب القديم في الجغرافيا التقليدية الذي ساد في العصور الوسطى فإن أوليا چلبى يختتم هو الآخر أيضا سلسلة الجغرافيين الرحالة من أهل الشرق الذين جابوا الآفاق ودوخوا البلاد 179 .
ولا يمكن القول بأن المجهودات التمهيدية التي بذلت في دراسة أوليا چلبى ومتنه ، أو الأبحاث التي أجريت في هذا الصدد ، تتناسب مع ما هو عليه من أهمية ؛ وقد عقد من المسألة تلك الأوضاع التي أحاطت بالطباعة في تركيا أو على الأصح بالرقابة على المطبوعات بحيث لم ير النور منذ عام 1258 ه - 1843 سوى مختارات من الجزء الأول ومقتطفات ضئيلة من الأجزاء التالية وهذه لم يكن من شأنها أن تقدم أية فكرة عن الكتاب في مجموعه . فقط وفي عام 1314 ه - 1315 ه - 1896 - 1897 بدأ نجيب عاصم