أن ننسج على منوال كندرمان فنضيف إلى - ذكرناه أو لم نذكره من المصنفات التركية - - في هذا الميدان تلك المواد الحافلة
( articles )
التي ازدانت بها صفحات « دائرة المعارف الإسلامية » والتي ندين بها في معظم الأحوال لقلمى بابنجر
Babingger
ودنى
Dany
163 .
لقد أدى بنا تحليلنا للمصنفات الأربعة الأساسية لحاجى خليفة والتي تمس الجغرافيا إلى الإقرار بأن جامعه الضخم « جهاننما » ، وسفره الخاص في محيط الجغرافيا الملاحية « تحفة الكبار » ، ومرشده الببليوغرافى العظيم « كشف الظنون » قد ظل كل منها محتفظا بنفوذ كبير وتأثير فعال على سير تطور الأدب الجغرافي العربي التركي ، كما وأن العلم الأوروبى لم يهمل تقديرها حق قدرها وبهذا نستطيع القول ونحن مطمئنون بأن حاجى خليفة يستحق عن جدارة أن يعترف به كأكبر جغرافى ظهر بالشرق الأدنى في القرن السابع عشر .
أما الشخصية الثانية التي برزّت في محيط الجغرافيا في نفس ذلك القرن فقد كان الرحالة الأكبر أوليا چلبى ، أو « ابن بطوطة التركي » 164 كما يروق للبعض أن يدعوه . وكما هو الشأن دائما فإن هذه المقارنة لا تخلو من جانب من الصحة ولكنها تتطلب من ناحية أخرى بعض الحذر ، فأسفاره لم تبلغ المدى الذي بلغته أسفار ابن بطوطة كما أنها لم تمتد في اتجاه الشرق إلى أبعد من العراق ولهذا فمن العسير الموافقة على لقب « سياح عالم » 165 الذي ما زال الأتراك يطلقونه عليه أحيانا إلى أيامنا هذه . أما من حيث ثقافته الجغرافية فقد كان بلا شك أكثر قراءة واطلاعا من ابن بطوطة ولجأ أكثر منه إلى استعمال المصادر الأدبية .
والمادة التي يقدمها أوليا چلبى عن سنى حياته الأولى من خلال وصفه الضخم لرحلته مادة متفرقة للغاية ويعوزها التماسك ؛ ولكنه يسوق في مقابل ذلك معلومات طريقة عن أسلافه وهي على الرغم من أنها لا تخلو من عنصر الخرافة إلا أنها تعين على تفهم الوسط الذي نشأ فيه « ابن بطوطة التركي » . فقد كان جده حاملا للواء السلطان محمد الثاني الفاتح واشترك في فتح القسطنطينية ، وقد بلغ أفراد أسرته في العادة أعمارا طويلة فجده عاش ليبلغ سن المائة وسبع وأربعين أما والده درويش محمد فقد كان جواهرى « قويومجى باشى » البلاط السلطاني وكان في معية السلطان سليمان القانوني في أكثر من حملة عسكرية وخدم عشرة من السلاطين وتوفى عام 1058 ه - 1648 عن مائة وسبعة عشر عاما . ولا شك أن مركزه كان مشرفا بما فيه الكفاية لأن أم ولده أوليا چلبى كانت أختا للصدر الأعظم ؛ أما رحالتنا فقد ولد عام 1020 ه - 1611 ولكن على الرغم من أصله الرفيع فإنه لم يلتحق لا بالجيش الذي كان قريبا منه طول حياته ولا بالبلاط ؛ ولا شك في أنه قد ظهرت لديه منذ البداية ميول علمية ومن المعروف أنه كان يحب أحيانا عرض معارفه على الرغم من أنها لم تكن عميقة الجذور . ومهما يكن من شئ فإننا نلتقى به منذ عام 1045 ه - 1636 « حافظا » بمسجد أيا صوفيا - - وهناك اجتذب اهتمام السلطان مراد الذي ضمه إلى حاشيته في عمل يتعلق في أغلب الظن بالبلاط ( « مصاحب » ) . غير أننا نراه بعد هذا يلتحق بالجيش النظامى برتبة « سباهى » ؛ ومن الملاحظ أنه لم يرتفع عاليا في سلك الرتب العسكرية ولعل ذلك يرجع من ناحية إلى أن اتجاهاته كرحالة بدأت تتبلور منذ تلك اللحظة ولم تلبث أن لعبت الدور الرئيسي في مجرى حياته بأجمعه .