ويتبين لنا بجلاء من سيرة حاجى خليفة أنه كان بصفة دائمة شخصا « بريّا » ، أي أنه لم يكن على معرفة جيدة بالبحر ؛ بيد أنه يبرهن في كتابه هذا على معرفة عريضة بالجغرافيا الملاحية وبالأدب البحري هذا فيما عدا معلوماته الواسعة في كل ما يتصل بهذا الموضوع : وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن ذكرى ماضيهم المجيد كانت لا تزال حية في مخيلة جميع الأتراك وأن التعرف على هذا الماضي كان مما يعتز به علماؤهم .
وأغلب الظن أن عددا من أهل جيله كانوا معاصرين لأحداث ذلك الماضي المجيد إذ أن جانبا من قصصه قد دون عن طريق المشافهة .
وليس ثمة ما يدعو بالطبع لأن نذكر بصورة خاصة أن المصادر الكتابية لحاجى خليفة كانت حافلة للغاية بالنسبة لموضوعه هذا ، فقد انتظمت في الواقع نواحي عديدة وكان من بينها على سبيل المثال « غزوات خير الدين باشا » وهي ذكريات أمير البحر التركي والقرصان المشهور التي أملاها على سنان چاوش في عهد السلطان سليمان القانوني 151 . ومن الثابت أيضا أن مادته المتعلقة ببقية أبطال الكتاب قد اعتمدت على مصادر مماثلة .
والعدد الكبير لمخطوطات « تحفة الكبار » يشير إلى أن هذا المصنف قد نال رواجا كبيرا وهو يوجد في مجموعات المخطوطات المختلفة بأوروبا واستنبول بل إن مخطوطة المؤلف التي كتبها بخط يده موجودة بهذه المدينة 152 ، غير أن الذي أكسب الكتاب شهرة خاصة هي الطبعة التي أخرجها إبراهيم متفرقة في ثلاثة أجزاء في عام 1141 ه - 1729 ، أي قبل ثلاثة أعوام من ظهور طبعته « لجهاننما » ، وهي مشابهة لتلك من حيث الجودة والإتقان ولكنها تتسم بالروعة والنفاسة في حد ذاتها 153 . فهي تضم خمسا وسبعين صفحة من القطع المزدوج
( in folio )
إلى جانب سبع صفحات على هيئة مقدمة وصفحتين لتصويب الأخطاء الواردة في صلب الكتاب ؛ وقد ألحقت بها خمس خارطات تصور نصف الكرة
( hemisphere )
والبحرين الأبيض المتوسط والأسود والجزر التابعة للدولة العثمانية وبحر الأدرياتيك وجزره ثم قمباص ( بيت الإبرة ) مزدوج من النوع الذي تعرفنا عليه في الفصل المعقود للجغرافيا الملاحية . والذي قام بتصوير رسوم هذه الطبعة رسام أصله من فينا وعمل ذلك تحت إشراف راهب اسبانى من أهل العلم ، على حد قول أوروبى عاصر ظهور طبعة الكتاب .
أما أوروبا فقد تعرفت على المصنف عن طريق مخطوطات متفرقة وقبل أن يخرج من المطبعة .
ولاهتمام الأوروبيين بتركيا وبالنزاع من أجل سيادة البحار فقد ظهرت له ترجمات عديدة منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر ولو أنها لا تزال موجودة على شكل مخطوطات ؛ وإحدى هذه الترجمات ندين بها لقلم المستشرق الفرنسي بتي دى لاكروا
Pe ? tis de la Crlox
( توفى في عام 1713 ) 154 . وبعد قرن من هذا ظهرت الترجمة الإنجليزية التي اعتمدت على النص المطبوع وهي من عمل متشل
J . Mitchell
( 1831 ) ولكنها لا تتجاوز الأربعة فصول ، أي ما يقرب من نصف القسم الأول للكتاب 155 .
وترجم المستشرق كاله
Kahie
فصلين من القسم الثاني هما الخامس والسادس ( ويشملان الصفحات