أنه يمكن أن يعد في الحقيقة الوصف الجغرافي الأول والوحيد للإمبراطورية الذي ندين به لقلم مؤلف عثمانى .
وحاجى خليفة لم يتحول بطريقة منتظمة كمحمد عاشق بهدف جمع المادة الجغرافية من أجل مصنفه ولكننا نعلم تمام العلم أنه سافر كثيرا وشارك في عدد من الحملات العسكرية وأن منصبه الحكومي قد ساعده كثيرا في الإفادة من الوثائق الرسمية . ولا تزال الحاجة ماسة للغاية لعمل دراسة لمتن « جهاننما » وفقا للمنهج النقدى في دراسة النصوص ، ذلك أن هذه المهمة لا تزال في بداية شوطها . ويرجع فضل كبير في هذا المضمار إلى مجهودات تشنر الذي ألقى الضوء في عدد من مقالاته على مسائل ذات أهمية بالغة تتعلق - - بالتاريخ الأدبي لهذا المصنف ، غير أن هناك الكثير مما لا يزال ينتظر البحث في هذا الصدد . وقد أصبح « جهاننما » المصنف الجامع الأول بالنسبة للأجيال التالية ، وكما هو الشأن مع عدد من المؤلفات التي لقيت الرواج والانتشار بين القراء فإن الحد الفاصل بين الرواية الأولى للمؤلف والزيادات التي أدخلت عليها قد انمحى تماما وساق هذا بدوره إلى تعقيد مهمة الباحث بشكل ملحوظ 140 .
ولا تقل عن هذا تعقيدا المسألة المتعلقة بالخارطات والرسوم التي يتراوح عددها وفقا للنسخ بين التسعة والثلاثين والأربعين والواحد والأربعين . وتوجد هذه الخارطات مع اختلافات ضئيلة في نسخ متفرقة من الطبعة التي أخرجها إبراهيم متفرقة في عام 1145 ه - 1732 للقسم الخاص بآسبا من « جهاننما » ؛ وهي لا ترتبط من قريب أو بعيد بالمذهب العربي لذا فقد كان من الطبيعي ألا تجد لها مكانا في المجموعة الضخمة التي نشرها كونراد ميلر
K . Miller
، زد على هذا أن المخطوطات نفسها لم تفحص فحصا دقيقا من وجهة نظر الكارتوغرافيا . ويقدم لنا بلوشيه
Blochet
معطيات طريفة بصدد المخطوطة الباريسية التي لم يتعرف عليها بابنجر
Babinger
141 والتي ترتفع إلى عام 1142 ه - 1729 142 ؛ وقد قام بنسخها شخص يدعى محمود بن عبد اللّه ولكن الرسم على ما يبدو من عمل شخص آخر . ومعظم خارطاتها وأشكالها الكوزموغرافية ليست سوى تقليد صرف لنظيراتها الأوروبية ، وهذا يمس بصورة خاصة « شكل العالم » و « وردة الرياح » اللذين تم تخطيطهما بطريقة محكمة . أما الجهات فتشبه الحال التي عليها الأطالس الأوروبية أي بوضع الشمال في أعلى الخارطة ، وكذلك تم تبيان المدن وفقا للمذهب الأوروبى السائد آنذاك برسم مجموعة من المنازل جيث يمكن تمييز المدن الإسلامية بظهور مآذن المساجد . ومن بين الخارطات ذات الطابع العام خارطة مزدوجة للعالم وخارطات لأوروبا وآسيا وأمريكا والمناطق القطبية الشمالية والجنوبية ؛ وقد بين على جميع الخارطات شبكة خطوط الطول والعرض مما يشير مرة أخرى إلى تأثير النماذج الأوروبية . وعلاقة هذه المخطوطة الباريسية بالمتن الأصلي لحاجى خليفة ومصوراته لا تزال تحتاج إلى دراسة دقيقة ؛ ويدعونا ضيق الحد الزمنى الذي يفصل بين تاريخ المخطوطة وهو عام 1142 ه - 1729 وتاريخ الطبعة وهو عام 1145 ه - 1732 لأن نفترض أن هذه الأخيرة قد اعتمدت على الأولى أو أنها على الأقل إحدى المسودات الأخيرة لهذا المصنف ولا يمكن بأية حال أن ترتفع إلى عصر حاجى خليفة .