قدرة اللّه تع في تبديل الأبدال ، ويعرفون به عجائب صنع اللّه سبحانه من تنقل الأمور من حال بعد حال » 58 .
من هذا يبدو جليا كيف عمل المقريزي حسابا لاعتبارات تثقيفية تعليمية وسط المادة العلمية التي يصوغها وكيف يفسح عرضه العلمي أحيانا الطريق إلى اتجاهات بلاغية ، فعقب القطعة التي مرت بنا يجتذبه الدافع الأدبي قدما فيحاول استدرار عطف القارئ
( captatio benevolontine )
باصطناع التواضع والمذلة وذلك بتصوير ضعفه والظروف القاسية التي تم فيها تأليف الكتاب 59 ؛ وهو في أثناء كلامه هذا يستشهد بأشعار معروفة على وجه العموم ولا تمثل بأية حال أهمية خاصة بالنسبة لنا ؛ ولكن يتلو هذا عبارات ، تكتسب أحيانا أهمية جوهرية ، من ذلك قوله :
« اعلم أن عادة القدماء من المعلمين قد جرت أن يأتوا بالروؤس الثمانية قبل افتتاح كل كتاب وهي ، الغرض ، والعنوان ، والمنفعة ، والمرتبة ، وصحة الكتاب ، ومن أي صناعة هو ، وكم فيه من الأجزاء ، وأي أنحاء التعاليم المستعملة فيه .
فنقول ، أما الغرض في هذا التأليف فإنه جمع ما تفرق من أخبار أرض مصر وأحوال ملكها كي يلتئم من مجموعها معرفة جمل أخبار إقليم مصر وهي التي إذا حصلت في ذهن إنسان اقتدر على أن يحبر في كل وقت بما كان في أرض مصر من الآثار الباقية والبائدة ويقص أحوالها من ابتدأها من حلّها وكيف كانت مصاير أمورهم وما يتصل بذلك على طريق الأتباع لها بحسب ما تحصل منه الفائدة الكلية بذلك الأثر .
وأما عنوان هذا الكتاب أعنى الذي وسميته به فإني لما فحصت عن أخبار مصر وجدتها مختلفة متفرقة فلم يتهيأ لي إذا جمعتها أن أجعل وضعها مرتبا على السنين لعدم ضبط وقت كل حادثة لا سيما في الأعصر الخالية ولا أن أضعها على أسماء الناس لعلل أخر تظهر عند تصفح هذا التأليف فلهذا فرقتها في ذكر الخطط والآثار فاحتوى كل فصل منها على ما يلائمه ويشاكله وصار بهذا الاعتبار قد جمع ما تفرق وتبدد من أخبار مصر ولم أتحاش من تكرار الخبر إذا احتجت إليه بطريقة يستحسنها الأريب ، ولا يستهجنها الفطن الأديب ، كي يستغنى مطالع كل فصل منه بما فيه عما في غيره من الفصول فلذلك سميته كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار .
وأما منفعة هذا الكتاب فإن الأمر فيها يتبين من الغرض في وضعه ومن عنوانه أعنى أن منفعته هي أن يشرف المرء في زمن قصير على ما كان في أرض مصر من الحوادث والتغييرات في الأزمنة المتطاولة والأعوام الكثيرة فتهذّب - - بتدبر ذلك نفسه وترتاض أخلاقه فيحب الخير ويفعله ويكره الشر ويتجنبه ويعرف فناء الدنيا فيحظى بالاجتناب عنها والإقبال على ما يبقى .
وأما مرتبة هذا الكتاب فإنه من جملة أحد قسمي العلم اللّذين هما العقلي والنقلي فينبغي أن يتفرّغ لمطالعته ويتدبّر مواعظه بعد إتقان ما تجب معرفته من العلوم النقلية والعلوم العقلية فإنه يحصل بتدبره لمن