تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 632

مساهمون:

ص٦٣٢
إنه ليس بعالم بحاثة بل هو ناقل قبل كل شئ ؛ وتتمثل مكانته بالنسبة للأدب الجغرافي العربي التركي في أنه أول من حاول الإفادة من نتائج الأبحاث العلمية الأوروبية الحديثة إلى جانب استعماله المصادر الشرقية القديمة وأن ذلك لم يحدث لديه عرضا بل حدث بصورة منظمة ، زد على هذا أن اختياره لمادته يتسم بالكثير من التوفيق ويكشف عن فطرة سليمة . ويرى بارتولد في نشاطه في هذا المجال أول محاولة للمزج بين معطيات العلم الأوروبى ومعطيات العلم الإسلامي ويؤكد أنه لم يحدث أن قام أحد بمثل هذه المحاولة في الأدب الجغرافي الأوروبى لذلك العهد 135 . وكان هدفه الثابت هو تأليف « مدخل »
( Handbuch )
جديد من أجل القارئ العادي في القرن السابع عشر يبين فيه النتائج العملية التي سادت في ذلك العصر ، أي أنه لم يكن من غرضه البتة أن يقوم بأبحاث علمية مستقلة 136 . وكما نبصر من مقدمة « جهاننما » فإن حاجى خليفة قد اعتمد في وضع كتابه على عدد من المصادر باللغة العربية 137 ، فهو قد رجع إلى المؤلفين الكلاسيكيين من طراز المقدسي كما أفاد إلى مدى بعيد من جميع ضروب كتب « المسالك » كمصنفات البلخي وابن حوقل والمسعودي والبكري وابن سعيد والمهلبي والعذرى . وهو على معرفة جيدة بمعجم ياقوت وبمصنفاته الأخرى في مسوداتها وتنقيحاتها المختلفة كما عرف جيدا الإدريسى وأبا الفدا ومعجم الحميري ، على الرغم من أن المعرفة بهذا الأخير كانت أمرا نادر الحدوث ؛ وهو لا يكتفى بالنقل من أصحاب المصنفات ذات الطابع العام كالهروى والقزويني وابن الوردي بل أخذ أيضا من « المتخصصين » كخليل الظاهري ، ولمعرفته بالأدب الملاحى نجده يشير إلى عدد من مصنفات سليمان المهري . وهو يسلك نهج المذهب القديم باستعماله لترجمات بطلميوس ولكنه لا يهمل المؤلفات الحديثة سواء كانت باللغة الفارسية مثل « هفت إقليم » أو بالتركية مثل مصنف سپاهىزاده و « بحرية » و « تحفت الزمان » و « مناظر العوالم » الذي يحتل بالطبع المكانة الأولى من بين مصادره الرئيسية . وأول ما يجب على الباحث الذي يتفرغ لفحص متن « جهاننما » هو أن يميز بين المادة التي ترتفع إلى حاجى خليفة نفسه ، أي إلى فترة سلطنة مراد الرابع وإبراهيم ومحمد الثاني ( منتصف القرن السادس عشر ) ، وبين المادة التي استقاها من السابقين له . وتحيط بمثل هذا العمل صعوبات جمة لأن حاجى خليفة وقف من مصادره موقفا مغايرا لموقف محمد عاشق فلم يشر إليها في صلب الكتاب بل اكتفى بالإشارة إليها في المقدمة وحدها ؛ وفي حالات نادرة قد يحدث الضد كما هو الحال مع « أنيس المسامرين » الذي يعالج الكلام على أدرنة فإن حاجى خليفة لم يشر إليه في المقدمة 138 . ولهذا السبب فإن على الباحث أن يتجنب خطأ شائعا يرتبط بمتن حاجى خليفة كما يرتبط بالمتون الجغرافية السابقة له ، وهو الاعتقاد بأن جميع ما لم يرد على هيئة اقتباسات من مؤلفين آخرين إنما هو لحاجى خليفة وحده 139 . وهو قد استقى مقدارا كبيرا من مادته في واقع الأمر من « مناظر العوالم » ، غير أن عرضه في جميع نقاطه أوسع من ذلك بكثير . وفيما يتعلق بالدولة العثمانية فإن مصنفه يمتاز بالكثير من التفصيل والسعة حتى