تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
نشأ نمط الخطط بمصر وكان له فيها تاريخ مجيد معروف لنا جيدا بل وحدث أن لمسنا أكثر من مرة لحظات معينة في تطوره الخلاق . ويقدم لنا المقريزي في كتابه حصيلة هذا المجهود ويدفعه إلى الأمام بصورة ملحوظة محددا في ذات الوقت أهدافه وأغراضه وموقفه هو منه ؛ وقد عرض المقريزي أفكاره هذه في مقدمة كتابه . فبعد أن حدد الدوافع التقليدية المعهودة التي كأنما يوردها « دفاعا » عن نفسه أو ربما خضوعا منه للالتزامات الأدبية المعمول بها يأخذ المقريزي في توضيح الاعتبارات والعوامل الشخصية التي حدت به إلى تأليف الكتاب ويعكس خلال هذا حبا عميقا لوطنه مصر وشغفا كبيرا بتخليد آثارها 56 . وأقل طرافة من هذا تلك الأقسام من مقدمته التي يسوق فيها 57 الكلام المعهود في تبرير الاشتغال بالعلوم التاريخية وبالجغرافيا وذلك عن طريق الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية . وبعد أن يورد الصيغ المعروفة والتي نلتقى بها عادة لدى جميع المؤلفين ينتقل المقريزي إلى جوهر موضوعه فيقول : « وبعد فإن علم التاريخ من أجل العلوم قدرا ، وأشرفها عند العقلاء مكانة وخطرا ، لما يحويه من المواعظ والإنذار ، بالرحيل إلى الآخرة عن هذه الدار ، والاطلاع على مكارم الأخلاق ليقتدى بها - - ، واستعلام مذامّ الفعال ليرغب عنها أولو النّهى ، لا جرم أن كانت الأنفس الفاضلة به وامقة ، والهمم العالية إليه مائلة وله عاشقة ، وقد صنف الأئمة فيه كثيرا ، وضمّن الأجلة كتبهم منه شيئا كبيرا . وكانت مصر هي مسقط رأسي وملعب أترابى ومجمع ناسى ، ومغنى عشيرتي وحامتي ، وموطن خاصتي وعامتى ، وجوّى الذي ربى جناحي في وكره ، وعشّ مأربى فلا تهوى الأنفس غير ذكره ، لا زلت مذ شدوت العلم ، وآتاني ربى الفطانة والفهم ، أرغب في معرفة أخبارها ، وأحب الإشراف على الكثير من آثارها ، وأهوى مساءلة الركبان عن سكان ديارها ، فقيدت بخطى في الأعوام الكثيرة من ذلك فوائد قل ما يجمعها كتاب ، أو يحويها لعزتها وغرابتها إهاب ، إلا أنها ليست بمرتّبة على منوال ، ولا مهذبة بطريقة واحدة ومثال ، فأردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية ، عن الأمم الماضية والقرون الخالية ، وما بقي بفسطاط مصر من معاهد غيرها أو كاد البلى والقدم ، ولم يبق إلا أن يمحو رسمها الفناء والعدم وأذكر ما بمدينة القاهرة ، من آثار الفصور الزاهرة ، وما اشتملت عليه من الخطط والأصقاع ، وحوته من المباني البديعة الأوضاع ، مع التعريف بحال من أسس ذلك من أعيان الأماثل ، والتنويه بذكر الذي شادها من سراة الأعاظم والأفاضل ، وأنثر خلال ذلك نكتا لطيفة ، وحكما بديعة شريفة ، من غير إطالة ولا إكثار ، ولا إجحاف يخلّ بالغرض ولا اختصار ، بل وسط بين الطرفين ، وطريق بين بين ، فلهذا سميته كتاب المواعظ والاعتبار ، في ذكر الخطط والآثار . وإني لأرجو أن يحظى إن شاء اللّه عند الملوك ، ولا ينبو عنه طباع العامّى والصعلوك ، ويجلّه العالم المنتهى ، ويعجب به الطالب المبتدى ، وترضاه خلائق العابد الناسك ، ولا يمجه سمع الخليع الفاتك ، ويتخذه أهل الرفاهية والبطالة سمرا ، ويعده أولو الرأي والتدبير موعظة وعبرا ، يستدلون به على عظيم