الجغرافيا ، تلك المؤلفات التي لعبت بالتالي دورا كبيرا في نشاطه العلمي ؛ وليست المادة العلمية التي أمدته بها استنبول بأقل أهمية من تلك التي حبته بها حلب ؛ فقد أصبحت استنبول منذ بداية القرن السادس عشر كما رأينا سوقا حافلا للمؤلفات العربية . ويتضاءل بصورة واضحة إلى جانب هذين المركزين الكبيرين دور المراكز الأخرى خاصة وأن إقامته بها كانت على أغلب الظن قصيرة الأمد ولو أنه يتبين من دلائل متفرقة أن حاجى خليفة قد جهد دائما في الاتصال بالعلماء المحليين في كل موضع زاره كما جهد في ذات الوقت في الاطلاع على جميع مجموعات المخطوطات التي مر عليها محاولا على الدوام أن يستكمل مادته إلى آخر أيام حياته .
وقد سار العمل في تأليف هذا الكتاب ببطء شديد فأكمل الجزء الأول بعد خمسة عشر عاما ، أي في سنة 1064 ه - 1653 79 . ويبدو أن الكتاب لم يأخذ صيغته النهائية إلى لحظة وفاة المؤلف شأنه في هذا شأن جميع المؤلفات التي من هذا القبيل ؛ كما وأنه يقابلنا فيه من لحظة لأخرى بياض بالأصل .
والكتاب لا يمثل في طابعه مرجعا ببليوغرافيا مكرسا لوصف الكتب فحسب بل إنه يقدم لنا بنفس الدرجة عرضا جامعا للعلوم . لا على طريقة موسوعات عهد المماليك الكبيرة بل على أسلوب المراجع الموجزة في العلوم التي يشغل مصنفه بينها مركزا هاما ويتمم سلسلة موغلة في القدم ولو أنه أبعد من أن يمثل آخر حلقاتها . - - ومقدمة هذا الكتاب تعطينا فكرة جيدة عن أهدافه وقيمته الخاصة بل وعن المصادر التي اعتمد عليها ؛ وهو بعد أن يورد الألفاظ المعهودة في بدء الكلام لدى علماء المسلمين كحمد اللّه وشكره والصلاة على نبيه الخ يلج موضوعه مباشرة فيقول :
« أما بعد لمّا كان كشف دقائق العلوم وتبيين حقائقها من أجل المواهب وأعز المطالب قيض اللّه سبحانه في كل عصر علماء قاموا بأعباء ذلك الأمر العظيم وكشفوا عن ساق الجد والاهتمام بالتعليم والتفهيم سيما الأئمة الأعلام من علماء الإسلام الذين قال فيهم النبي عليه الصلاة والسلام علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل فإنهم سباق غايات وأساطين روايات ودراسات فمنهم من استنبط المسائل من الدلائل فأصّل وفرّع ومنهم من جمع وصنف فأبدع ومنهم من هذّب وحرّر فأجاد وحقّق المباحث فوق ما يراد رحم اللّه أسلافهم وأيد أخلافهم غير أن أسماء تدويناتهم لم تدوّن بعد على فصل وباب ولم يرد فيه خبر كتاب .
ولا شك أن تكحيل العين بغبار أخبار آثارهم على وجه الاستقصاء لعمري أنه أجدى من تفاريق العصاء إذ العلوم والكتب كثيرة والأعمار عزيزة قصيرة والوقوف على تفاصيلها متعسر بل متعذر وإنما المطلوب ضبط معاقدها والشعور على مقاصدها وقد ألهمني اللّه تعالى جمع أشتاتها وفتح علىّ أبواب أسبابها فكتبت جميع ما رأيته في خلال تتبع المؤلفات وتصفح كتب التواريخ والطبقات ولما تم تسويده في عنفوان الشباب بتيسير الفياض الوهاب أسقطته عن حيز الاعتداد وأسبلت عليه رداء الأبعاد غير أنى كلما وحدت شيئا ألحقته إلى أن جاء أجله المقدر في تبييضه وكان أمر اللّه قدرا مقدورا فشرعت بسبب من الأسباب وكان ذلك في الكتاب سطورا ورتبته على الحروف المعجمة كالمغرب والأساس حذرا من التكرار والالتباس .
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 622
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٦٢٢