إذ أن اثنين من كبار ممثلى الأدب التركي في المحيط الجغرافي في القرن السابع عشر قد مزجا بين الاتجاهين القديم والجديد بصورة واضحة وأعنى بهما العالم الكبير ومؤرخ الأدب والجغرافيا حاجى خليفة ، ثم الرحالة الشهير أوليا چلبى .
ولقد تردد اسم الأول منهما مرارا عديدة على جميع صفحات كتابنا هذا بالتقريب وذلك لأهمية سفره الببليوغرافى الضخم الذي طبقت شهرته الآفاق والذي لا يستطيع الاستغناء عنه من يريد الغوص في الأدب العربي بل وفي الأدبين الفارسي والتركي إلى حد ما . ونرى لزاما علينا أن نوليه عناية مزدوجة فهو لم يكن جغرافيا تركيا فحسب بل وكان كاتبا باللغة العربية دوّن بعض مصنفاته الجغرافية بهذه اللغة الأخيرة . ونحن عندما نصفه بأنه جغرافى تركى كبير ينبغي ألا نغالى من هذه الناحية فهو أبعد من أن يكون بحاثة أصيلا كبعض من ورد ذكرهم خلال صفحات هذا الكتاب ، إذ يحول دون ذلك انغماسه التام في الثقافة الأدبية المدونة بحيث لا تجد الخبرة العملية أو التجربة الشخصية سبيلها إلى مصنفاته . ولكنه يعوض هذا باطلاع واسع المدى فقد تشرب الثقافة الإسلامية في جميع فروعها الثلاثة وهي الأدب العربي والفارسي والتركي . وقد أحس حاجى خليفة بعاطفة جياشة نحو العلم فأولاه مخلصا كل جهده ونشاطه .
وقد منعته أمانته من أن يغمض عينيه عن التأثيرات والحقائق التي قدمت من الغرب فجهد دائما في أن يفيد منها ولم يخش في ذلك الاتهام بالبدعة أو الإدانة بالزيغ . وعلى الرغم من اعتماده الأساسي على الثقافة الشرقية فهو لم يرفض المصادر الغربية أو يطرحها ظهريا بل كان على أتم استعداد ليتفهم ما وقع إليه منها عرضا عن طريق الآخرين وذلك وفقا لمنهجه الخاص ولمفهومه الثقافي . وهو وإن انتسب إلى عصر يعد بحق عصر تدهور إن لم يكن عصر سقوط تام بالنسبة للثقافة العربية إلا أنه ينهض دليلا واضحا على أن تلك الثقافة لم تمت في ذلك العصر بل على العكس من ذلك تطلبت من ممثليها بذل مجهود مضاعف لامكان فيه للكلل والملل ولو لطرفة من الزمان ؛ ولا تخلو سيرة حياة حاجى خليفة من عبرة في هذا الصدد لأنه لم يستطع أن يقتطع للعلم خالصا وفقا لمفهومه سوى فترات قصيرة من حياته . ومعرفتنا بسيرة حياته تعتمد على مصادر جديرة بالثقة ، فهي من ناحية مستقاة من ترجمة حياته التي كتبها بقلمه
( autobiography )
وألحقها بأحد مصنفاته - - الذي يحمل عنوان « ميزان الحق في اختيار الأحق 63 » وتسوق تاريخ حياته إلى العام السابق لوفاته ؛ ومن ناحية أخرى على مواد جمعها الناشر لأحد كتبه في عام 1146 ه - 1733 ( « تقويم التواريخ » ) 64 .
ولد حاجى خليفة بالقسطنطينية عام 1017 ه - 1609 في أسرة موظف صغير يعمل بديوان العسكرية ؛ واسمه في الأصل هو مصطفى بن عبد اللّه لكن غلب عليه على الدوام لقبا كاتب چلبى وحاجى خليفة .
وبعد أن حصل على التعليم الأولى المعهود آنذاك سلك خطو أبيه فالتحق مند عام 1032 ه - 1623 بالديوان ليتذرب على الأعمال الكتابية ولم يلبث أن شغل وظيفة كتابية متواضعة هي وظيفة « محاسب » بوحدات الجيش بالألاضول وبهذا أخذ طرفا في الحملة العسكرية على بلاد الفرس التي لم توفق في حصارها لبغداد في عام 1035 ه - 1626 ، وحضر حصار أرضروم عام 1036 ه - 1037 ه - 1627 - 1628