وياقوت وحمد اللّه مستوفى . غير أن المكانة الأولى عنده يحتلها « تقويم البلدان » لأبى الفدا - - فهو لم يستق منه نظام تقسيم البلدان فحسب بل ومعظم مادته الجغرافية التي ضمنها جميع كتابه بحيث يمكن اعتبار مصنف محمد عاشق من هذه الناحية « مسودة موسعة باللغة التركية لأبى الفدا » كما يقول تيشنز
( ein erweiterte tu ? rkische Ausgabe des Abulfida )
51 . ولكنه إلى جانب هذا لا يهمل المصادر الأخرى بل يشير إليها بمنتهى الدقة ويضمن المادة المأخوذة عنها داخل الأقسام المختلفة التي أخذ تبويبها عن أبي الفدا كما رأينا ؛ وأما تلك المواضع التي لم يرد ذكرها لدى أبى الفدا فإنه يضيفها إلى داخل كل قسم « كذيل » قائم بذاته ، ومعظمها بالطبع يعالج الكلام عن المواضع الجغرافية الكائنة بالأناضول والروملى .
ويكمل المؤلف المادة النقلية بمعلوماته الشخصية التي تتميز بدورها بالتفصيل والدقة ويصحبها في العادة ذكر الشخص الذي استقى منه هذه المعلومات ؛ وهي تمس في الغالب تواريخ مدن معينة والكلام على أبنيتها وسكانها 52 . ومن الملاحظ اختفاء أي أثر للنفوذ الأوروبى على كتاب محمد عاشق ، وكل ما يورده عن أوروبا ضحل للغاية ولا يتجاوز في العادة ما عرفه الجغرافيون العرب في العصور الوسطى .
وبنفس الطريقة نفتقد لديه أية إشارة إلى الاكتشافات الجغرافية الكبرى والرحلات الأوروبية التي تمت في العهد القريب منه 53 ، ولا يمكن بالطبع إرجاع هذا إلى محض المصادفة لأن قرائن الأحوال تشير إلى أنه قد فعل ذلك عن قصد ؛ ويقف مثال پيرى ريس دليلا بينا على توفر المادة والمعلومات عن ذلك بقدر واف في نطاق الدولة العثمانية وذلك في فترة تسبق الفترة التي عاش فيها محمد عاشق بعشرات السنين .
ولم يكن بوسع مؤلف « مناظر العوالم » بما عهد فيه من سعة الاطلاع وتعدد الميول أن يجهل هذا ، غير أن كتابه على ما يبدو يمثل رد فعل ما ضد الاتجاهات الجديدة الوافدة من الغرب فهو يحاول معارضتها بالتراث القديم الذي جهد في جمعه في مؤلف شامل يلم بجميع أطراف الموضوع . ونتيجة لهذا فإنه على الرغم من كل ما يتمتع به هذا الكاتب من مكانة بوصفه آخر ممثل للأدب الجغرافي للعصور الوسطى في الشرق في صورته العربية ، وعلى الرغم أيضا من الأهمية التي تتمتع بها روايته في بعض الأحيان ، فإن المصنف في مجموعه أشبه ما يكون بشئ متقادم لا يتفق مع واقع الأحوال التي وجد فيها بل يعكس عصورا تاريخية سابقة
( anachronism )
54 ، وبهذا فلم يكن بمقدوره إرضاء مطالب معاصر به ولعل هذا هو السبب في عدم انتشاره في الشرق نفسه . والشخص الوحيد الذي عرفه جيدا هو حاجى خليفة ومن المحتمل أنه من آثار تلك المعرفة ودوافعها أن شرع في وضع مؤلفه « جهاننما » ولو أنه لم يكن يرجع إلى محمد عاشق بصورة منتظمة 55 .
لقد وجد النفوذ الأوروبى طريقة إلى الدولة العثمانية في عهد محمد عاشق دون أن يواجه أية مقاومة تذكر وحمل معه أخبار الاكتشافات الجغرافية الجديدة بحبث لم يكن - - من المستطاع تجاهلها أو ضرب صفح عنها . ففي نحو عام 947 ه - 1540 ، وعقب وفاة خير الدين بربروسا التي حدثت في عام 953 ه - 1546 ، ظهر كتاب بعنوان « تاريخ الهند الغربى » كان الدافع إليه على ما يظهر الاستجابة للمطالب