المتزايدة من جانب القراء . وبالطبع فهو لا يمثل في واقع الأمر تاريخا ما بل حكاية مشحونة بتفاصيل خرافية عن كشف الأوروبيين لجزر الهند الغربية مع وصف لعادات وطبائع سكانها 56 ؛ وهو في الحقيقة ترجمة لمصنف « فرنجى » قصد به تعريف الجمهور في أوروبا باكتشاف العالم الجديد أميركا 57 ، وتشير قرائن الأحوال إلى أن الدولة العثمانية استطاعت أن تعرف خبر هذه الواقعة بعد لحظه وجيزة من انتشاره بين جيرانها الأوروبيين وذلك على يد أحد المسيحيين ممن دخلوا حظيرة الإسلام
( renegade )
.
وقد ظل هذا المصنف متمتعا بالرواج بين جماهير القراء حتى القرن الثامن عشر وكان من أوائل الكتب التي خرجت من مطبعة مؤسس الطباعة بتركيا إبراهيم متفرقة المشهور وذلك في عام 1142 ه - 1729 ؛ وتمثل هذه الطبعة في الآونة الحاضرة شيئا نادرا وتعد من أشهر آثار الطباعة العربية في الدولة العثمانية .
هذه الطبعة من قطع الثمن
( octavo )
تضم إحدى وتسعين صفحة من الحجم المزدوج وهي مزودة بأربع خارطات وبجدول يبين النجوم ، هذا إلى جانب عدد من اللوحات المنقوشة
( engraved )
التي تصور سكان أمريكا وحيوانها ونباتها 58 . وتاريخ تدوين هذا المصنف لم يثبت بصورة قاطعة فأحيانا يرجع إلى عهد السلطان مراد الثالث وذلك في نحو عام 990 ه - 1582 وينسب تأليفه إلى شخص غير معروف تماما يسمى محمد بن يوسف الهروي 59 . وقد وقع كارا دى فو
( Carra de Vaux )
في خطأ كبير حين نسب تأليف هذا الكتاب إلى حاجى خليفة 60 ، ووجد هذا الخطأ طريقه إلى مؤلفات أخرى حتى أيامنا هذه . ذلك أن المسألة المحيطة بشخص المؤلف الحقيقي لهذا الكتاب يجب أن تظل مفتوحة ؛ ومخطوطة ليدن لمصنف حاجى خليفة الببلوغرافى الضخم والتي ترجع إلى عام 1729 وتختلف أحيانا في قراءتها مع النسخة المطبوعة 61 تضم زيادة كبيرة عند معالجتها الكلام على هذا المصنف 62 ، فتحت عنوان واحد يرد ذكر كتابين أحدهما باللغة العربية لمؤلف يدعى محمد بن يوسف الهروي نقله إلى التركية وزاد عليه شخص غير معروف أيضا هو أبو المخلف محمود بن يوسف المصري ويرد فيه الكلام عن رحلات الهنود أولا إلى أمريكا ثم عن رحلات الأسبان . أما الرسالة الثانية والتي ترجع إلى عهد تال لهذا فقد ترجمها أحد الأتراك من اللغة « الفرنجية » وأضاف إليها تعليقاته من « تذكرة » ما . وإزاء هذا الخلط الواضح فإن من العسير أن تخرج بنتيجة ملموسة عن شخص المؤلف ، ليس ذلك فحسب بل ومن العسير أيضا أن - - توضح طبيعة علاقة هذين المصنفين اللذين عرفهما حاجى خليفة بذلك المصنف الذي خرج في طبعة قشيبة منذ الفترة الأولى لظهور فن الطباعة بالدولة العثمانية .
ويمكن أن نعتبر نهاية القرن السادس عشر خاتمة فترة معينة في تاريخ الأدب الجغرافي التركي عندما قدم لنا محمد عاشق خلاصة المذهب العربي القديم . وقد رأينا كيف استطاعت الجغرافيا الملاحية في بداية ذلك القرن أن تشق لنفسها مسالك جديدة وصل علمها إلى أهل الغرب وأدت شيئا فشيئا إلى ظهور فروع جديدة في ميدان الجغرافيا . غير أن هذا بالطبع لا يعنى أن المذهب القديم قد اختفى بدوره تماما