الصواب عندما ذكر أنه قد أتم مسودة كتابه ولكنه لم يبيضها ؛ ومخطوطات الكتاب في الواقع نادرة للغاية ولم تعرف في أوروبا إلى عهد قريب سوى مخطوطة واحدة موجودة بفينا 44 زد على هذا أن الكتاب لم ينشر منه سوى مقتطفات موجزة . أما المؤلف نفسه فإن معلوماتنا عنه لا تتعدى تلك الإشارات العارضة التي وردت في مصنفه .
ولد محمد عاشق ابنا لمدرس بطربيزون في نحو عام 962 ه - 1555 فيما يبدو 45 ، وغادر مسقط رأسه منذ بلوغه سن العشرين - - فبدأ تجواله الطويل الذي دام عدة أعوام وكان هدفه فيما يغلب على الظن أن يجمع المادة من أجل كتابه ؛ وقد تخللت هذا التجوال الطويل زيادات متقطعة إلى مسقط رأسه .
وهو قد أقام في بعض المواضع فترات طويلة شغل خلالها عادة وظيفة كاتب صغير في الشؤون القضائية ؛ واستغرقت إقامته بالروملى والأناضول فترة أطول وكان هدفه من ذلك كما يفترض تيشنر أن يستكمل معلوماته عنها بالملاحظة المباشرة لأن المصادر المكتوبة عنها كانت قليلة ، خاصة في اللغة العربية . وبلغ محمد عاشق في تجواله مدينة دربند وذلك في عام 990 ه - 1582 ، وابتداء من عام 1005 ه - 1596 استقر بدمشق نهائيا ؛ وليس في كتابه أدنى ذكر لأدائه فريضة الحج . وقد أتم كتابه خلال عامين في أثناء وجوده بدمشق ؛ ويبدو أنه قد توفى بعد ذلك بقليل ، هذا إذا ما أخذنا برأي حاجى خليفة من أن الكتاب ظل في شكل مسودة 46 .
وكتاب « مناظر العوالم » يمثل من حيث تبويبه نموذجا جيدا لنمط الكوزموغرافيا كما عرفناه لدى القزويني والدمشقي وحمد اللّه مستوفى قزوينى ، فالقسم الأول وهو قصير بعض الشئ إذ لا يزيد على العشرين صفحة يبحث في « العالم العلوي » 47 ويتضمن الكلام على السماء وسكانها والأجسام السماوية وعلى الجحيم .
وباستثناء بعض المادة الفلكية فإن مضمون القسم الأول ليس في واقع الأمر سوى مقدمة للقسم الثاني الذي يبحث في « العالم السفلى » ، فالأرض وسكانها تشغل أكثر من نصف المصنف أي نحو مائتين وخمسين صفحة . ووفقا للطريقة المتبعة عادة في المصنفات الكوزموغرافية فإن المؤلف يقدم لنا وصفا عاما للأرض فيتحدث عن البحار والجزر والبحيرات والأنهار ومنابع المياه والجبال وأخيرا عن المدن التي يفرد لها أهمية خاصة . ويلي وصف الأرض الكلام على التاريخ الطبيعي وهو يشغل حيزا يقرب من ذلك إذ يصل إلى نحو المائتى صفحة . ومعالجته لأقسامه يذكرنا بدوره بالكوزموغرافيات العربية فهو يتحدث عن المعادن في صورها الصلبة والمائعة والغازية ثم عن الطيب والنباتات والحيوان والإنسان 48 .
وجميع المادة الجغرافية موزعة لديه كما ذكرنا من قبل على الأقاليم السبعة البطلميوسية أو « أقاليم حقيقية » كما يدعوها المؤلف نفسه ، ثم إلى ثمانية وعشرين إقليما « عرفية » وفقا لتقسيم أبى الفدا 49 ؛ ومحمد عاشق يتبع هذا التقسيم الأخير حرفيا 50 باستثناء حالات قليلة يعالج فيها الكلام على مواضع لم ترد عند أبي الفدا . وفي مقابل هذا فإن مصادره عديدة وتكاد تشمل الأسماء الرئيسية من بين مصنفات الأدب الجغرافي العربي المعروفة لنا ؛ وأكثر ما يقابلنا لديه أسماء ابن خردادبه وابن الوردي والقزويني
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 615
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٦١٥