العوامل الدينية لديه مكانة واضحة كما أنه لا يعنى كثيرا بما يدور على الأرض بقدر عنايته بالآثار السماوية وجهنم وأدوار الخليقة وسير الأنبياء ويوم القيامة والإرهاصات التي تشير إلى اقتراب الساعة ؛ أما في كلامه على الظواهر الأرضية فهو يفرد أهمية خاصة لكل أصناف الغرائب والخوارق 20 . ولمصنف أحمد بيجان هذا ذيل على هيئة رسالة صغيرة مجهولة المؤلف بعنوان « مرآت العوالم » تنسب في مخطوطة فينا إلى المؤرخ المشهور على ( توفى عام 1008 ه - 1599 ) وهي تنتمى إلى نفس تلك السلسلة من الكوزموغرافيات التي لم تكن غريبة على عالم الواقع فحسب بل وغلبت عليها المادة الأسطورية تماما 21 .
وبعد فيجب القول بصورة عامة بأن الأدب الجغرافي التركي لم يقدم لنا خلال القرن الذي تلى أحمد بيجان سوى عدد قليل من الآثار التي يمكن أن توصف بالأصالة ؛ والاستثناء الوحيد في هذا الصدد تمثله كما رأينا الجغرافيا الملاحية التي تقف برهانا ساطعا على النتائج القيمة التي يمكن الوصول إليها عن طريق مزج التجربة العملية بالأسس العلمية المستمدة من الاتجاهات النظرية القديمة 22 ، وفيما عدا هذا فإن الأنماط الجغرافية الأخرى تبدو شديدة الهزال وشاحبة فالجغرافيا العلمية لم يكتب لها نجاح كبير بل اكتفت في العادة بتلك الرسائل من طراز مؤلف على القوشجي الواسع الانتشار . ولم توجد إلى جانبه سوى بضعة قوائم جافة تحدد المواقع الجغرافية للمدن المختلفة وأوصاف الطرق العديدة التي تربط بين مختلف الأماكن ، كما وجدت في بعض الأحايين رسائل صغرى تبحث في تقسيم الأقطار أو في الإحصائيات الحكومة المختلفة .
ويجب أن نولى عناية خاصة لليوميات السلطانية العديدة التي تتضمن وصف تنقلات سلاطنة آل عثمان وسير حملاتهم العسكرية وتحركاتهم في أنحاء الإمبراطورية ؛ وقد أخذ عددها يزداد منذ عصر السلطانين سليم الأول 23 وسليمان 24 ، ويوجد قدر كبير منها في ترجمات غير كاملة وملخصات - - باللغات الأوروبية المختلفة ( خاصة الفرنسية والألمانية ) منذ القرن السابع عشر ؛ ويمكن لهذه اليوميات أن تقدم مادة هامة بالنسبة للأوصاف الطبوغرافية والجغرافيا السياسية للدولة العثمانية ولكن لا يمكن بالطبع أن تعد أدبا جغرافيا 25 . وليس ثمة ما يدعو إلى الزيادة في القول بأن الآثار التاريخية العثمانية الأولى مثل « بهجة التواريخ » لشكر اللّه ( توفى عام 894 ه - 1489 ) لا تخلو أحيانا من بعض الأهمية باللنسبة للجغرافيا 26 .
وقد نالت رواجا خاصا في العهد الأول للأدب العثماني تلك المصنفات التي تقف على الحد الفاصل بين الجغرافيا والتاريخ ، بل وفي كثير من الأحيان لا تخلو من عنصر الشعر والأسطورة ، وهي المتعلقة بوصف المدن والمواضع المختلفة . وهذه المصنفات تذكرنا أحيانا بنمط « الفضائل » القديم ، بل وأكثر من ذلك بتلك الأوصاف الأدبية لمدينة رومة التي نجدها عند الجغرافيين القدامى والتي قام بتحليلها المستشرق غويدى
Guidi
، أو بوصف القسطنطينية الذي ورد بتفصيل أكثر في كوزموغرافيا ابن الوردي ؛