بين الأتراك العثمانيين في النصف الثاني من القرن السادس عشر ، ولكن من الملاحظ انبعاث ضرب من الحيوية والانتعاش في ميدان الأدب الجغرافي بوجه عام حتى قبل تلك الفترة ؛ ويمكن ربط هذا بحركة تاريخية فريدة هي « إحياء العلوم الكلاسيكية »
( Revival of classical learning )
. وإذا كانت الثقافة اليونانية قد لعبت ذلك الدور بالنسبة لأوروبا اللاتينية فإن هذا الدور نفسه قد لعبته الثقافة العربية بالنسبة للأتراك ، حيث برزت هذه النهضة لديهم قبل كل شئ في الاهتمام الخاص بالآثار الجغرافية وترجمتها إلى التركية بصورة منتظمة .
ولقد تجدد الاهتمام بالمصادر الجغرافية العربية لدى الأتراك العثمانيين منذ النصف الثاني للقرن الخامس عشر وذلك في عهد السلطان محمد الفاتح ( 855 ه - 886 ه - 1451 - 1481 ) ؛ فترجمت جغرافيا بطلميوس في ذلك العهد مرتين . وأغلب الظن أن اللغة التركية لم تكن قد اكتسبت مرونة كافية بعد لذا فقد نقل الكتاب إلى اللغة العربية وفقا للمذهب القديم الذي كان سائدا في القرنين الثامن والتاسع .
ويمكن تكوين فكرة جيدة عن إحدى هاتين الترجمتين من الطبعة المصورة
( Incsimile )
التي نشرها البحاثة المصري الأمير يوسف كمال ( 1929 ) المشهور بخبرته في ميدان الجغرافيا التاريخية 3 . وقد حظيت بنفس هذا القدر من الاهتمام أيضا « المدرسة الكلاسيكية » للجغرافيين العرب للقرن العاشر ، ففي عهد محمد الثالث في نهاية القرن السادس عشر ترجم شريف أفندي إلى اللغة التركية كتاب الإصطخرى المعروف 4 ؛ وفي نفس الوقت تقريبا فإن المؤرخ على چلبى الذي سيمر بنا الكلام عليه في هذا الفصل قد ضم إلى كتابه « كنه الأخبار » ترجمة تركية مختصرة ومصلحة للنسخة الفارسية لكتاب الاصطخري « صور الأقاليم » 5 .
أما في محيط الجغرافيا الرياضية الفلكية فإن هذه النهضة ترتبط ارتباطا قويا بنشاط عالم من علماء النصف الثاني للقرن الخامس عشر أيضا وهو على القوشجي ( توفى في عام 879 ه - 1474 ) الذي عرفناه كواحد من معاونى أولوغ بيك في مرصده بسمرقند والذي التجأ إلى أراضي الدولة العثمانية عقب مصرع ولى نعمته ؛ وقد تمتعت رسالته في الجغرافيا الرياضية والفلكية برواج كبير هناك من بين جميع المصنفات التي على شاكلتها ونقلت إلى التركية أكثر من مرة ؛ وإحدى ترجماتها كما رأينا ندين بها لسيدي على ريس المعروف بينما قام بالترجمة الثانية بعد ذلك بثلاثين عاما ملا برويز ( المتوفى عام 987 ه - 1579 ) 6 . من هذا يتبين لنا أن انبعاث الاهتمام بالجغرافيا لم يقف عند حد الجغرافيا الكلاسيكية وحدها بل تجاوزه إلى الاهتمام بالجغرافيا المعاصرة في مختلف أنماطها . وفي عهد السلطان مراد الثالث في نحو عام 960 ه - 1582 تمت كما سبق أن - - ذكرنا ترجمة الوصف الفارسي للصين الذي دونه على أكبر 7 ، كما ترجم في القرن الخامس عشر إلى اللغة التركية الوصف الجغرافي لمصر ذو الطابع التخصصى وهو من عمل ابن الحيعان وذلك اعتمادا على المسودة التي ترجع إلى عام 777 ه - 1375 ؛ وقد حدث أن بينا في حينه أن هذا الكتاب لا يتمتع في الواقع بأهمية كبرى وأغلب الظن أن هذه الترجمة التركية التي توجد في مخطوطة بقينا بعنوان « ذكر